ذاكرة مدينة... حيفا تتذكر يوم سقوطها

ذاكرة التهجير /أرشيف د. جوني منصور    بقلم: د. جوني منصور     Sunday, May 7, 2017 at 4:31:29 PM
ذاكرة مدينة...  حيفا تتذكر يوم سقوطها من ارشيف د. جوني منصور

عوّدت نفسي مرة كل أسبوعين على زيارة أحد احياء حيفا العربية، غير الحي الذي اسكن فيه. وأوجه انظاري دائمًا إلى حيي وادي الصليب والمحطة (محطة الكرمل أو باسمه العريق والتاريخي "العتيقة").

واخترت في مطلع هذا الأسبوع أن اتجول في حي وادي الصليب لما يعنيه لي من مكانة ودور اجتماعي واقتصادي وانساني في الفترة السابقة للنكبة. ويا لهول ما رأت عيني في هذا اليوم. جرافات وآليات ضخمة تحفر في الجهة الشرقية من الحي قريبا من شارع العراق (الذي حولت بلدية حيفا اسمه إلى كيبوتس غالويوت).. وثار غضبي بشكل لا يمكن تصوره من هذا المنظر الهدام البشع المقزز للنفس والعقل معًا. وبعد الغضب سرى الهدوء في شراييني فتوجهت لقراءة بيان بلدية حيفا الملصق على أحد جدران الموقع – موقع الحفريات. وتبين لي ان المستثمر مزمع على بناء مجمع تجاري ضخم، وفندق صغير و 198 شقة سكنية وموقف تحت ارضي وآخر ارضي... وبالتالي يقوم المقاول المنفذ للمشروع بهدم كافة المباني التي كانت قائمة في هذه الجهة تسهيلا للشروع بعمليات البناء المطلوبة للمشروع المذكور.

إن رؤية جرافات وآليات تدمير وحفر الأرض أمر قد يكون مألوفا لدى كثيرين في إسرائيل. إسرائيل التي احتلت فلسطين في 1948 و 1967 وقامت حكومتها بواسطة جيشها بهدم 531 قرية ومدينة في طول الوطن وعرضه، ولا تزال تقوم بإصدار أوامر هدم لبيوت ومنازل فلسطينيين في إسرائيل بذرائع البناء غير المرخص، وأوامر هدم في الأراضي الفلسطينية المحتلة في 1967 بذريعة قيام احد افراد العائلة بعملية تخريبية(كما تسميها المؤسسة الرسمية)... يعني معول الهدم يعمل دون توقف غير آبه إلى إنسان المكان، بل ينكر وجوده وكينونته وعلاقته التاريخية  والإنسانية مع المكان... مقابل ذلك تعمل على بناء مبان جديدة ذات طراز عصري مستورد من فكر غربي اقتحامي بعيد كل البعد عن طابع المكان الأصلي. وهي أي إسرائيل بكافة مؤسساتها تعمل على تغيير طبيعة المكان، وشكله وجوهره، وأيضا تغيير اسمه، بحيث لا يعود يحمل أي صلة مع الماضي العريق الذي حمله المكان وانسان المكان.

هذا ما يجري في وادي الصليب بعيدًا نوعا ما عن نظر سكان حيفا العرب الغارقين في هموم الحياة وترفها.

جولتي في وادي الصليب حركت في داخلي مشاعر التعاطف مع أهالي الحي الذين ولدوا فيه وعاشوا فيه وبنوا أحلامهم فيه حتى جاء العام 1948 وبترت هذه الاحلام وقطعت مسيرة الحياة اليومية... وتحول أبناء الحي كغيرهم من أبناء الأحياء الأخرى في حيفا إلى لاجئين ومشردين في الوطن وخارجه، ولسان حالهم يبكي على ما آلت إليه أوضاعهم.

ويصادف هذا اليوم 22 نيسان ذكرى سقوط حيفا. الذكرى الثامنة والستين. فكيف سقطت هذه المدينة؟ وكيف تمت عملية تهجير أبنائها؟ وما علينا فعله لنحافظ على الذاكرة التاريخية والجمعية لأبناء حيفا الباقين فيها والمشردين عنها؟

شهدت حيفا بعد صدور قرار تقسيم فلسطين في نهاية شهر تشرين الثاني – نوفمبر 1947 على يد الأمم المتحدة سلسلة من الأحداث الدموية بين اليهود والعرب. وسبب ذلك أن حيفا قد ضمت إلى حصة الدولة اليهودية التي أقرها قرار التقسيم، بالرغم من ان عدد السكان العرب في هذه المدينة كان أكثر من اليهود بقليل، لكن سكان المدينة العرب اسسوا واقاموا المدينة وبنوا احيائها ووضعوا خطط حياتهم المستقبلية فيها. أما اليهود الذين جاؤوا إليها من أوروبا وصلوها كمستعمرين اقاموا احيائهم على التلال التي اشتروها، ونظموا حياتهم مستقلة وبعيدة عن باقي سكان المدينة. حتى باتت حيفا مؤلفة من مدينتين وهما: حيفا العربية وحيفا المستعمرة الصهيونية.

وأدرك اليهود ان الانجليز في جيبهم( إلى جانبهم)، داعمين لهم ومناصرين لمطالبهم بإقامة دولة لهم، وتم التعبير عن ذلك في تصريح بلفور الصادر عن وزير خارجية حكومة بريطانية في 1917.

وبناء عليه، تمكن اليهود من التفوق الاستراتيجي على الأحياء العربية بكونهم اقاموا مستعمراتهم – احيائهم في أعالي قمم الكرمل، مثل روميما ونافيه شأنان وأحوزه ومركز الكرمل والهدار... في حين ان الأحياء العربية كانت منتشرة بشكل طبيعي على منحدرات الكرمل وفي المدينة التحتا كأحياء البلدة القديمة ووادي الصليب، ووادي النسناس والكروم والموارس وعباس والعتيقة...

وما ان صدر قرار التقسيم حتى باشرت قوات عصابة الهاغاناه الصهيونية بقصف الأحياء العربية من جهات الهادار والكرمل، وقامت أيضًا بدحرجة براميل مليئة بالزيت الكيماوي المشتعل وقطعت الطرقات واستولت على نقاط ومفترقات مركزية... ما أثار الرعب والفزع والخوف في العائلات العربية الفلسطينية التي بدأت تبحث عن مواقع لحماية الأطفال والعائلات، خصوصًا ان المجتمع العربي الفلسطيني كان مجتمعا فتيا وشابا... وهكذا بدأت مجموعات تغادر المدينة مؤقتا إلى أن تهدأ الحالة. وبما أن الحالة لن تهدأ، فإن الهاغاناه والايتسيل وغيرها من عصابات مسلحة هاجمت احياء عربية في المدينة داعية سكانها الى مغادرتها والتجمع في الحي الألماني... كما ان إذاعة الهاغاناه بثت بيانات بالعربية طالبة من العرب التخلص من المشاغبين والمخربين والارهابيين(هكذا سمت الهاغاناه المدافعين عن المدينة من العرب سكانها ومن المتطوعين). وعملت هذه الإذاعة على خلق أجواء من الرعب والتأثير النفسي الشديد... كما وتم توزيع مناشير بالعربية تدعو العرب إلى تسليم أسلحتهم والخضوع لشروط الهاغاناه التي تعمل على الحفاظ على المدينة وتصفية المشاغبين والإرهابيين.

ثم لما قرر حاكم حيفا والشمال الإنجليزي الجنرال هيو ستوكويل إخراج قواته من بعض مناطق حيفا، والاحتفاظ ببعض منها ريثما ينتهي الانتداب، قام بتسليمها إلى اليهود. وهكذا أصبحت مواقع كثيرة في أعالي الكرمل والأحياء الشرقية تحت سيطرة العصابات العسكرية الصهيونية ما منحها تفوقا عسكريا واستراتيجيا.

وعندها بدأت الهاغاناه بتنفيذ خطة عسكرية للإطباق على المدينة تعرف باسم "المقص" بحيث تنزل فرقا عسكرية من الهادار باتجاه بيت آل الخوري (عمارة هنفئيم حاليا) حيث استحكمت قوات من المقاومة الفلسطينية دفاعا عن المدينة ثم تنزل إلى البلدة التحتا. وتتحرك فرق من الهاغاناه من الهادار باتجاه حي الحليصا لتلتقي مع فرق تتحرك من حي نافيه شأنان اليهودي، وتتحرك فرق من المركز التجاري الجديد في البلدة التحتا باتجاه موقع مدرسة الفرير (شارع يافا 21) ويتم الاطباق على المدينة العربية وتبقى الطريق مفتوحة باتجاه الميناء حيث كانت سفن وزحافات وقوارب بانتظار المرحلين والمطرودين عن حيفا، أبنائها الذين ولدوا وعاشوا فيها، وبنوها وتطلعوا إلى مستقبل واعد... لقد سرقت الهاغاناه مدينتهم وخذلهم الانجليز وفشل العرب في حمايتهم وتوفير الدفاع لهم وصون ممتلكاتهم.

وهكذا، ضاعت حيفا من أيدي أبنائها لتتحول إلى سيطرة عابري البحار الذين إلى يومنا هذا لا يعترفون بالمرة بأنهم كانوا السبب في ترحيل وتهجير أهالي حيفا. إنها الرواية الصهيونية التي ترفض الاعتراف بما اقترفته يدها من آثام وجرائم بحق الشعب العربي الفلسطيني. ولا تزال كتب التدريس في المدارس الاسرائيلية والخطاب الرسمي ينكر النكبة، ويحمل الفلسطينيين والعرب كامل المسؤولية عما حصل في العام 1948. ولأن الحركة الصهيونية مؤسسة على فكر ومخططات مدروسة، فإنه يروق لقياداتها العامة والمحلية في حيفا مثلا التشدق بأنها أصدرت بيانات ووجهت رسائل إلى العرب من قيادات سياسية ودينية واجتماعية في حيفا داعية إياهم إلى عدم ترك المدينة ومغادرتها. لكن المتصفح لمجموعة البيانات يلحظ أنها صدرت بعد سقوط حيفا واحتلالها بيد الهاغاناه بين 22 نيسان و 23 منه. وأن هذه البيانات تدعي العيش المشترك والتعاون... ولكن بعد ان تمت عملية تفريغ المدينة من سكانها والشروع حالا بتوطين مهاجرين مستوطنين في بيوت ومنازل العائلات العربية الحيفاوية. ومن الواضح ان هذه البيانات تندرج ضمن سياسة تبرئة النفس وإلقاء التهم على الآخرين. وأكثر من ذلك الظهور بمظهر الضحية وهو المجرم، والضحية بمكانة المجرم.

ولو ان بلدية حيفا وقيادة الهاغاناه في المدينة ترغب حقيقة في العيش المشترك لسمحت في الأيام القليلة التي أعقبت عملية احتلال حيفا، لسمحت بعودة آلاف من اهاليها الذين لجأوا إلى شفاعمرو والناصرة وبعض القرى الأخرى القريبة من حيفا والتي لم تصل بعد عصابات الهاغاناه إليها. ومن جهة أخرى، لو رغبت بلدية حيفا وحكومة إسرائيل المؤقتة في العيش والتعاون لما قامت بتنفيذ قرارات هدم احياء بكاملها في حيفا وسواها. كان الهدف من عمليات الهدف تطبيق عمليات عسكرية أخرى منها "بيعور حميتس" (أي تطهير الفصح)، وعملية "شكمونا" التي أتت على البلدة القديمة، ولم يبق منها إلا مساجدها وكنائسها خالية من سكانها وأهاليها.

إن عمليات الهدم الممنهجة ورفض عودة أهالي المدينة ورفض تحمل مسؤولية ما جرى هو ما يبين بوضوح سياسات الحركة الصهيونية الساعية إلى اقتلاع سكان البلاد الأصليين وإحلال المهاجرين المستوطنين.

وهكذا، لم يبق في حيفا من 75 ألف من العرب سوى ثلاثة آلاف أو أقل، تم تجميعهم في الغالب في حي وادي النسناس، وطوق الحي بأسلاك شائكة ونصبت نقاط تفتيش واعتبر السكان أعداء، هؤلاء الذين استقبلوا اليهود في مدينتهم ووقفوا إلى جانبهم في ساعات الشدة بعد ما فعل هتلر بهم ما فعله، اعلن عنهم "أعداء". يا لسخرية القدر... أبناء المدينة ومؤسسوها يصبحون في عداد الأعداء...

 

ما يتوجب علينا فعله هو معرفة التاريخ الصحيح، الرواية الصحيحة عن احتلال وسقوط حيفا وترحيل اهاليها وهدم مئات البيوت والمحلات التجارية، وتوطين مهاجرين مكانهم... وبالتالي عندما نعرف الحقائق تصبح عملية فهم كيفية التعامل معها افضل وأكثر سهولة... واعني بهذا التمسك بالحق التاريخي وعدم التفريط به، وكأن فقدان المدينة في 1948 هو أبدي... واعني هنا، توصيل رسالة إلى العالم، بأن أهالي حيفا وغيرها من مدائن فلسطين يحملون حقا إنسانيا وشرعيا ودوليا بالعودة... فكيف يمكن حل الصراع او التوصل  إلى اتفاق دونما اعتراف بالجريمة والخطأ، ومن ثم تصحيح هذا الخطأ...! 

TOP