من المطبعة إلى المكتبة: حيفا تُنتج ثقافة

الثقافة والتراث الفلسطيني /أرشيف د. جوني منصور    بقلم: د. جوني منصور     Sunday, May 7, 2017 at 4:24:20 PM
من المطبعة إلى المكتبة: حيفا تُنتج ثقافة

كان العام 1908 مفصليًا في تاريخ البلاد العربية التي كانت واقعة تحت الحكم العثماني، إذ وقع في هذا العام ما يعرف باسم "الانقلاب العثماني" وأُطلقت بعض الحريات بموجب دستور تم تبنيه من قبل الدولة العثمانية، وجرت انتخابات برلمانية وانطلق أصحاب الأقلام بتأسيس صحف لهم وكتابة مؤلفاتهم وطباعتها ونشرها. لكن في الفترة السابقة لهذا التاريخ عاشت حيفا والقضاء أسوة بباقي أطراف الوطن وخارجه، ظروفًا اقتصادية واجتماعية وثقافية صعبة للغاية. فعدد المدارس قليل، ويمكن القول إنّ عددًا كبيرًا من القرى كان يخلو من مدرسة وحتى من كُتّاب... وهذا يعني ان نسبة الأمية كانت مرتفعة جدًّا في أوساط مختلف الشرائح العمرية. وما كان متوفرًا هو في الأساس عدد من المدارس الرُشدية(أي التابعة لوزارة المعارف العثمانية) وخصوصًا في المدن كحيفا وعكا وصفد والناصرة، بإقتصار حديثنا عن شمالي فلسطين. وإلى جانب هذه المدارس بادرت مؤسسات مسيحية ورهبانيات إلى تأسيس مدارس لها عُرفت بالتبشيرية، واقتصرت في بداياتها على استقبال طلاب تابعين للطائفة التي تُشغل المدرسة. وإلى جانبها تأسست مدارس مسيحية وطنية، بمعنى أنها تابعة لمؤسسات مسيحية محلية. وإذا كان عدد المدارس قليلاً فإن عدد الطلاب الملتحقين بها أقل بكثير.

ما وقع في عام 1908 بنظر عدد من المحللين والمؤرخين هو فاتحة لعصر تنويري نهضوي قصير المدة الزمنية. حيث امتد لست سنوات فقط، ومن بعدها غرقت الدولة العثمانية في نار الحرب العالمية الأولى، وتبنى زعمائها سياسة التتريك وملاحقة الكلمة الحرة والداعين إلى نشر الفكر التنويري والانفتاحي، وعُلق مئات من أصحاب الكلمة على أعواد المشانق في ساحات بيروت ودمشق واستنبول.

ما حصل بين 1908 و 1914 كان عبارة عن فترة زخمة جدًّا من حيث مؤشرات ومقاييس النهضة الثقافية في فلسطين وبلاد الشام عمومًا. وهذا الوضع أدّى إلى انتشار ظاهرة المطابع في عدد كبير من مدن فلسطين، ومن أبرزها القدس ثم يافا فحيفا.

وحيفا التي لم تكن فيها إلا بضع مطابع قديمة تؤدي خدمات لمؤسسات دينية او لأوراق إدارية بسيطة، شهدت تحولاً محوريًا جراء وصول عدد من المطابع الحديثة ذات التقنيات التشغيلية المتقدمة بمفاهيم ذلك العصر. فكانت اول مطبعة حديثة احضرها باسيلا الجدع في سنة 1908 وأطلق عليها اسم "المطبعة الوطنية". وطُبعت في هذه المطبعة عشرات الكتب والنشرات والأوراق الرسمية وشهادات المدارس وغيرها. ثم تبعتها مطبعة جريدة الكرمل لصاحبها نجيب نصار، وهو مؤسس ومحرر جريدة الكرمل المشهورة والمعروفة بمواقفها المعادية للحركة الصهيونية ونشاط مؤسساتها، وذلك في فترة مبكرة زمنيًا. وتلاه وصول مطبعة جريدة النفير في 1913 لصاحبها إيليا زكا. وامتلك اليهود في حيفا أربع مطابع وفرت خدمات مطبعية متنوعة، ومن بينها الكتب والمجلات والنشرات والاعلانات الدعائية على مختلف أنواعها.

وفرضت الدولة العثمانية قوانين صارمة لإصدار تراخيص بامتلاك مطبعة وتشغيلها، ومن بينها لزوم ظهور اسم المطبعة ومكانها على المطبوعات، وإلا فإن القانون يعاقب بغرامة مالية عالية. وكذلك على كل كتاب مطبوع تقديمه للمراقبة ومن ثم في حال اجازته للطباعة يُرسل صاحبه نسختين لوزارة الداخلية وأخرى لقلم مطبوعات الدولة. ويحق للحاكم العثماني لمنطقة منع تداول الكتب والكراسات  والمطبوعات الأجنبية إلا بعد اطلاعه عليها مُسبقا. ومثل هذه القرارات كانت تُرفع إلى شكري افندي عبود مراقب المطبوعات الأجنبية في قضاء حيفا في أواخر الفترة العثمانية. وجدير ذكره هنا ان عبود هذا كان يشغل منصبًا آخر في مجلس إدارة القضاء وهو كاتب التحريرات، وهذه الوظيفة مرموقة باعتبارات ذاك الزمن.

ولقد أحدثت الطباعة بعض التغييرات الجوهرية في مجالات التثقيف الفكري والتوعوي وإدخال الحداثة من خلال نقل أفكار منشورة في مجلات وصحف أجنبية، وأخرى عربية تصدر في دمشق وبيروت والقاهرة، بالإضافة إلى ما يصل إلى الوطن من جرائد بلغات اجنبية كالفرنسية والانجليزية والإيطالية والألمانية والروسية. علمًا أنّ عدد القرّاء بهذه اللغات من أبناء البلاد الأصليين هو قليل، لكنه في زيادة مع اقتراب وقوع البلاد تحت الاحتلال البريطاني.

ومع انتشار المطابع وبالتالي انتشار المواد القرائية وزيادة اعداد مستهلكي هذه المواد، وبالتالي انتشار المؤثرات الفكرية والاجتماعية والثقافية، انعكس ذلك على مشهد الحياة اليومي خصوصا في أوساط الطبقة البورجوازية التي بدأت تتشكل في المدن الفلسطينية.

ومع كل ذلك، لم تؤسس في حيفا أو في القضاء مكتبة عمومية، إنما انتشرت في أوساط الناس ظاهرة المكتبة البيتية الخاصة، وإن كان ذلك بأعداد محدودة للغاية. ويجب التنويه إلى أن مكتبات عامة بمفهوم عصري قد انتشرت في أوساط الجالية اليهودية المستعمِرة في حيفا، وكذلك الجالية الألمانية الهيكلية(التمبلرية). وذلك نابع من كون هذه الجاليات ذات خلفيات ثقافية متقدمة وحديثة وفق المعايير الأوروبية التي وفدوا منها. وهذا يعني انه لم يكن وجود مكتبة عمومية مسألة ترفيه لدى أبناء هذه الجاليات، إنما ضرورة ملحة كجزء من مركبات المشهد الثقافي. 

ويمكن الإشارة إلى أنّ أول من بادر إلى تأسيس مكتبة في حيفا كان اللبناني الأصل يوسف فارس آصاف باسم "المكتبة لجامعة" وذلك في عام 1914، وتوقفت خلال الحرب العالمية الأولى لتعود من بعدها إلى نشاطها، ولكن بمشاركة ابن حيفا الاديب والصحفي والمسرحي المعروف جميل البحري. وأخيرا انفرد البحري وشقيقه حنا بإدارة المكتبة وغيّرا اسمها ليصبح "المكتبة الوطنية".

لا شك في أن انتشار الطباعة في أواخر العهد العثماني ساهم في تحسين المشهد الثقافي، حيث بدأت تنتشر ظاهرة اللغة المطبوعة والمنشورة، وبالتالي ارتفع مستوى التعاطي مع المادة المطبوعة وتأثيرها فكريا وحياتيا.

لكن، وفي نهاية هذا المقال القصير حول موضوع الطباعة والمكتبة في الفترة العثمانية، لا بد من الإشارة إلى ان حضور المطبعة كان متأخرًا، وكذلك انتشار المكتبات العمومية كانت أيضا متأخرًا. وبالرغم من كل هذا فإن هذه البدايات تدلل على استعداد الفلسطيني لإنتاج واستهلاك ثقافة محلية ومستوردة من المحيط العربي ومن الغرب على حد سواء، وهذا ما سنراه في الفترة الانتدابية، وفي مقال نخصصه لهذا الغرض.

TOP