كثير من الفن

الثقافة والتراث الفلسطيني /أرشيف د. جوني منصور    بقلم: د. جوني منصور     Sunday, May 7, 2017 at 3:59:30 PM
كثير من الفن من ارشيف د. جوني منصور

عاشت مدينة حيفا منذ نهاية العهد العثماني، وبشكل خاص من بداية العهد الانتدابي البريطاني نهضة فنية ملحوظة للغاية. فسرعان ما تأسست فيها النوادي الفنية والمسرحية. وأقبل الفنانون العرب على تقديم حفلاتهم وانتاجهم الفني على مسارح ومتنزهات حيفا. ولا شك في أن هذا النشاط ما كان ليحدث لولا جهوزية المجتمع لتأسيسه وتبنيه على مدى زمني طويل.

فتأسس في حيفا المعهد الموسيقي العربي (كان مقره في شارع اللنبي) بمبادرة من الموسيقي الكبير سليم الحلو واضع عدد من كتب تدريس العزف على آلة العود. وأيضا بفضل عوض الرومي والد حليم الرومي وجد ماجدة الرومي الذي امتلك محلا لصناعة الآلات الموسيقية وتعاطي فن الرسم. وتأسس في المدينة أيضا معاهد لتعليم الموسيقى والفنون الأخرى كالرسم والنحت والتمثيل المسرحي.

ولما انتشر الفونوغراف (جهاز الأسطوانات) ثم أجهزة الراديو على يد شركة بوتاجي الموزع الكبير لماركة "هيز ماستر فويس" زاد الإقبال على تقبّل وتذويت الفن الموسيقي والغناء في بيوت كثيرة في حيفا. وبالتالي زاد اهتمام العائلات بتعليم وتربية الأبناء على تذوق الموسيقى. ومنهم من شدد على تعليمهم العزف على آلات مختلفة سواء شرقية كالعود والقانون والايقاع أو غربية كالبيانو والفلوت وغيرها...

ومن أبرز الأسطوانات التي تمّ بيعها تلك التي تحوي أغان لمحمد عبد الوهاب والتي قام بتسجيلها لدى شركة بيضافون أو في ستوديوهات إذاعة الشرق الأدنى وإذاعة هنا القدس. وكذلك أغاني ام كلثوم الشهيرة وفريد الأطرش وشقيقته اسمهان ومحمد عبد المطلب وكارم محمود وغيرهم كثير من الفنانين العرب الذين وفدوا إلى فلسطين ليقدموا على مسارحها وفي قاعاتها أجمل أعمالهم الموسيقية والغنائية الراقية.

أما ابرز وأشهر الحفلات الموسيقية التي نظمها الحيفاويون  وجمعياتهم الأدبية والفنية، نورد بعضًا منها لكثرتها:

نظّمت سينما مسرح بستان البلد في حيفا حفلة موسيقية في 31 كانون الثاني من العام 1931 احياها الفنان والعازف جان شيبي وهو عازف كمان مرموق ومشهور في حيفا، ولاقت اقبالاً كبيرًا واستحسانًا من الجمهور الذين اعتبروا عزفه قمّة في الرقي والأداء.

كذلك أحيا الأستاذ الموسيقي الكبير يحيى اللبابيدي ابن مدينة عكا في 11 حزيران من العام 1932 ليلة غنائية موسيقية فكاهية في مقهى كوكب الصباح للرجال فجاءت غاية في الإبداع. وجدير ذكره أن اللبابيدي قد لحن أغنية "يا ريتني طير" لفريد الأطرش وهو موسيقار عريق وله مساهمة جليلة في نشر الموسيقى والفنون التابعة لها. وحضر إلى حيفا مرات كثيرة مقدما أجمل لعروض الغنائية والموسيقية.

كذلك نظم النادي الموسيقي الشرقي في حيفا في 11 كانون أول من العام 1930 عرضا موسيقيا حضره عدد كبير من المهتمين والعاشقين للفن الراقي.

وفي عرض آخر نظمه النادي المذكور في 30 أيار من العام 1931 قدمت فقرات من الموشحات الأندلسية والمعزوفات الفنية وكلمات وخطابات. ومن بين الذين تكلموا في هذا الحفل الضخم كان وديع البستاني والشاعر يوسف الخطيب والأستاذ نبيه ثابت(صاحب مدرسة ثابت للعلوم في حيفا). وتميزت المقطوعات الموسيقية أنها لموسيقيين مصريين وأتراك، ما يدلل على توجه رصين وجدي لاختيار ما هو ممتع وبمستوى رفيع.

وبادر النادي ذاته في الخامس من شهر تموز من العام 1931 إلى حفلة شاي في قاعة فندق ماجستيك بالمدينة ترحيبا بالفنان والمطرب الموسيقار محمد عبد الوهاب.

واستفاد هذا النادي من استعداد المؤسسات والجمعيات التربوية في المدينة لاستضافة نشاطاته، حيث نظمت حفلة موسيقية في مدرسة الساليزيان في الرابع من نيسان من العام 1932.

وحضرت الفنانة الكبيرة أم كلثوم إلى حيفا في عام 1931 حيث قدمت حفلتين موسيقيتين غنائيتين رائعتين على خشبة مسرح سينما عين دور. وكانت أسعار التذاكر 52 و 43 و 33 قرشا، موزعة على عدد كراسي السينما حوالي 1200 كرسي. وشهدت الحفلتين اقبالا لا مثيل له، إذ حضر الناس من قرى ومدن مختلفة في فلسطين بما فيها يافا والرملة. كما أنها أحيت حفلة أخرى على مسرح الكوكب بحضور مئات من محبيها وعشاق فنها الأصيل. وهناك من يزعم أن لقبها "كوكب الشرق" قد حصلت عليه في حيفا عندما وقفت سيدة حيفاوية اسمها ام فؤاد صارخة بتأثر وانفعال نحو ام كلثوم:"أنت كوكب الشرق". فمنذ تلك اللحظة التصق هذا الاسم بالسيدة ام كلثوم.

ولم يرق هذا النشاط وما يحتويه لمحرر جريدة الكرمل الأستاذ نجيب نصّار، فوجه نقده اللاذع عبر صفحات جريدته معتبرًا ان المبالغ التي جبيت من التذاكر مرتفعة جدا، وفلسطين تمر في ظروف اقتصادية وأمنية صعبة للغاية. وادّعى نصّار أن مصر تحارب الاقتصاد الفلسطيني بمنعها ادخال منتجات فلسطينية إليها، في حين أن مطربيها وفنانيها يغزون البلاد بأعداد كبيرة. ودعا الهيئات والجمعيات إلى التصدي لظاهرة اللهو والبلاد تعاني من حالة مؤلمة وقاسية والبؤس منتشر في مواقع كثيرة، على حد تعبيره. ولا شك أن من تعرّف إلى توجهات نصّار الفكرية يدرك استقامته وحرصه على الفلاح والعامل الفلسطيني، واهتمامه ببناء الوطن وانسان الوطن على الجدية... لكن في الوقت ذاته، كان فيه الفلسطينيون بأمس الحاجة إلى استهلاك الفنون على مختلف أنواعها لأنهم يعشقون الفن الراقي ويعرفون كيفية التعامل معه. 

أما مجال المسرح فقد برزت عدة فرق مدرسية سواء في مدارس البنين أو البنات، حيث عرضت مسرحيات من تأليف جميل البحري، أو مقاطع من مسرحيات مترجمة عن الإنكليزية والفرنسية والروسية والألمانية. وبرز في ميدان التمثيل مسرح فرقة الكرمل للتمثيل بإدارة إسكندر أيوب بدران. وتمكن بدران من مأسسة المسرح وتسجيله جمعية عثمانية رسميا لدى مسجل لجمعيات في حكومة الانتداب البريطاني.

واستضاف بدران ومسرحه فرقا مسرحية من مصر وسوريا ولبنان، كان أبرزها فرقة رمسيس المصري بإدارة عميد المسرح العربي يوسف وهبي. فقدّما اعمالا مشتركة مثل كرسي الاعتراف واولاد الشوارع، واعمالا منفصلة لكل فرقة على حدة. وبلغ الحال بفرقة الكرمل أن تقدم مسرحية هاملت على مسرح عين دور، والتي لاقت استحسانا واقبالا كبيرين من أهالي حيفا ورواد المسرح وعشاقه.

من جهة أخرى، استفاد أهالي حيفا العرب من المستعمرين الالمان واليهود الذين وفدوا إلى حيفا للاستيطان فيها. وأقاموا مؤسساتهم الثقافية والتعليمية والموسيقية والفنية. وعرفت من كبار السن أن كثيرين من العرب كانوا يحضرون ويشاهدون مسرحيات وافلام وحفلات موسيقية في مسارح يهودية أو اجنبية مقامة في المدينة.

هذه التركيبة الفنية ساهمت في إثراء الحياة الثقافية للمدينة، وخصوصا في أوساط السكان العرب الذين نهلوا مما كانوا ينتجون، ومما كان يفد إليهم من محيطهم العربي. وهذا دليل قاطع على رقي وازدهار ووعي المجتمع العربي لضروراته واحتياجاته، بالإضافة إلى ترابطه مع امتداده العربي القريب والبعيد عنه.

هذا ما كان من الزمن الجميل ومن الفن الراقي في هذه المدينة. ولا شك في أن شقيقات حيفا كيافا وعكا والقدس شهدن نشاطات ثقافية وفنية وموسيقية تؤكد حضور الشعب الفلسطيني وحضور ثقافته واقباله على فنون أخرى وافدة من قريب ومن بعيد.

 

 

TOP