المقامات والزوايا في حيفا وبعض قراها

حلوة يا بلدي /أرشيف د. جوني منصور    بقلم: جوني منصور     Sunday, May 7, 2017 at 3:39:17 PM
المقامات والزوايا في حيفا وبعض قراها من ارشيف د. جوني منصور

كباقي مدن وقرى فلسطين ضمت حيفا مجموعة من المقامات والزوايا التي اعتبرها الأهالي بمثابة مزارات.

فبالنسبة للمقامات كان بعض منها قد تجاوز مجرد كونه مزارًا لدرجة انتشار ظاهرة الكرامات من الولي الذي يضمه ضريح في المقام. حيث اعتاد الناس على التبرك به وبأعماله التي يتناقلها الأهالي على السنتهم كجزء من الموروث التراثي الشعبي. وظاهرة المقامات انتشرت اول ما انتشرت في زمن صلاح الدين الأيوبي بطل معركة حطين في 1187م، والتي دحر فيها جيوش الصليبيين أي الفرنجة التي غزت فلسطين ومناطق أخرى من الشرق. وما انتشار المقامات إلا دليل على اهتمام الايوبي بترسيخ اقدام العرب والمسلمين في فلسطين من خلال سلسلة من هذه المقامات المنتشرة في القرى والمدن، بحيث أننا نعلم انه لا تخلو قرية او مدينة تقريبًا في فلسطين من مقام واحد في الحد الأدنى أو أكثر. وقد يصل في بعض المدن إلى أكثر من عشرة.  واحتوت بعض المقامات غرفًا جعلها القيمون عليها للمنام فيها وللصلاة لفترات زمنية طويلة طلبا لكرامات هؤلاء الأولياء أصحاب هذه المقامات. لكن في عرف الإسلام فإن الزيارة والتبرك في المقام هي مخالفة لأصول الدين الإسلامي. ولا بد من الإشارة هنا إلى ان عددًا من المقامات كان منتشرًا في بعض القرى المسيحية، وعدد آخر كان مشترك للمسلمين والمسيحيين، كما هو الحال في مقام الخضر في قرية البصة المهجرة على الحدود اللبنانية. أما بالنسبة للزوايا، فلقد بادر إلى إقامتها عدد من الزهاد والمتنسكين الذين كانوا يقيمون حلقات الذكر وإلقاء دروس وشروح في الدين، وكذلك يلقون المواعظ على مستمعيهم من رواد الزاوية. واشتهرت هذه الزوايا في فلسطين، ومن أبرزها في الشمال أي في الجليل الزاوية الشاذلية بعكا وترشيحا وحيفا... ولقد جذبت الكثير من المؤمنين والمهتمين لكونها تسعى إلى تعزيز روح التصوف في صفوف المسلمين، بالإضافة إلى كونها تعمق روح التأمل في الله خالق الكون وما فيه، وتمنح المتصوف شكلاً من الهدوء النفسي والروحي.

أما الأماكن التي تعتبر مقامات في حيفا فهي ما يلي:

مقام النبي الياس، أو إيليا النبي: وهو المقام الذي يُعرف بلسان العامة بدير مار الياس الواقع على جبل الكرمل عند مدينة حيفا. وأيضا يطلق الناس، خصوصًا من الكبار في السن اسم "مقام سيدة الكرمل" على هذا الدير لكونه يُدار من قبل الرهبانية الكرملية، التي خصصت كنيسة الدير للسيدة العذراء. واعتاد أهالي حيفا وقرى الجليل ومن خارج المنطقة على الاحتفال بعيد النبي الياس في العشرين من شهر تموز من كل عام. فبالإضافة إلى الاحتفال الديني فإن النزلاء هناك وقبل موعد الاحتفال بأسبوعين يقيمون الخيام والألعاب المختلفة كسباق الخيول ولعب السيوف وغيرها من الألعاب التقليدية التي اختفت مع مرور الزمن. ومنهم من يفي نذرًا عليه في الكنيسة كقص شعر الطفل او تغطيسه وعماده، ومنهم من كان يقدم الحلويات والمآكل عن روح والده او بنية ما. وهذا السلوك هو جزء من التقاليد والاحتفالات الشعبية التي خصصت لهذا المقام وغيره من المقامات. وجدير ذكره ان المسلمين احتفلوا بعيد النبي الياس في هذا الموقع إلى جانب إخوانهم المسيحيين بروح التآخي والألفة الطبيعية التي كانت تسود الحياة في ذاك الزمن الجميل.

مقام الخضر: ويقع في أقصى حيفا مقابل البحر، وعند طرف أنف الكرمل على سفحه الغربي. وهو عبارة عن مغارة يؤمها الناس اعتقادًا منهم ان الخضر، وهو عند المسيحيين مار الياس وعند اليهود الياهو النبي. واعتاد أهالي حيفا من كل الأديان الوصول إلى هذه المغارة لتقديم النذور والصلاة والتبرك. ويعتقد كثيرون من المفسرين والمحللين والدارسين إلى ان هذا المقام هو ما عرف قديمًا بمدرسة الأنبياء. واعتاد أهالي حيفا الاستغاثة بصاحب هذا المقام لما تنحبس السماء ويقل سقوط المطر. فكان المسلم والمسيحي واليهودي يحضرون إلى المقام للصلاة، كل حسب طريقته ومذهبه الديني.  وسمعت من الكبار في السن أنهم كانوا يمكثون أيامًا طويلة في رفع صلاة الغيث إلى أن تنهمر السماء ويتساقط المطر، فيشكرون رب البرية على نعمه.

ضريح الولي الشيخ عيسى: وهو كان في حي العتيقة أي محطة الكرمل. وكان ضريحه واضحًا ضمن مقبرة صغيرة قديمة العهد، قد ينسب تاريخها إلى ما قبل الميلاد. لكن عندما ارادت شركة القطارات الإسرائيلية مد خط حديدي ثان في المنطقة وتحديدًا بين حيفا وتل ابيب، تم بناء جسر خاص ليمر فوق المقبرة التي يعتقد الناس انها ضريح الشيخ عيسى. وللاشارة فإن اسم هذا الموقع يظهر في الخرائط الانتدابية. ولقد عين القاضي الشرعي زمن الدولة العثمانية من يعمل على نظافة هذا المقام ورعايته، وذلك بالاستناد إلى سجلات المحكمة الشرعية الاسلامية في حيفا. وسُمي المسؤول عن المقام باسم "التربدار" أي القيم على شؤون الترب(مفردها تربة) أي المقابر. ومن ابرز من حمل هذه الوظيفة الشيخ عبدالله شلبي. ولقد ورثها أبا عن جد. ولقد أذنت له السلطات العثمانية باتخاذ السكن إلى جانب الضريح ليكون قريبا منه وليحافظ عليه.

مقام السيدة سكينة: ويعتقد أنه كان قائمًا في الجهة الغربية من قصبة حيفا داخل الاسوار. ولم انجح في التحقق من موقع هذا المقام. إلا أن بعض الكبار يخمنون، وهذا مجرد تخمين، انه كان قريبًا من موقع ساحة الخمرة – أي ساحة الحناطير.

مقام الشيخ مبارك: وكان هذا المقام كائنا بين خطوط سكة الحديد في ارض الرمل(شيمن اليوم). ولقد حافظ الانجليز كالاتراك من قبل على قدسية المقام، ونقلوا الخطوط الحديدية بعيدًا عن موقع المقام. لكن بعد لعام 1948 تم مد عشرات الخطوط في المنطقة إلى أن اختفى المقام عن وجه البسيطة. وامتناع الاتراك وقد يجوز الانجليز من بعدهم أيضًا عن نقل المقام او تمرير لخطوط الحديدية من فوقه هو خوفهم من اللعنات، والله اعلم في هذا الأمر.!

الزاوية الشاذلية: وكان لها مقر كبير في شارع البرج 21 مقابل مدرسة الجمعية الإسلامية – فرع الذكور قريبا من دار بلدية حيفا الحالية. وكان أعضاء هذه الزاوية نشطون جدًّا، ونجحوا في جذب عدد كبير من الرواد إليها.

زاوية الشيخ السهلي: وهي كائنة في بلد الشيخ(تل حنان). وكان السلطان العثماني سليم الأول قد اقطع الشيخ السهلي في 1516م قطعة أرض وخصَّها الشيخ ببناء مقرّه وطريقته الصوفية. وكان أصحاب الزاوية ينفقون عليها وعلى نزلائها مما يصل إليهم من تقدمات وتبرعات من اهل الخير. وبقيت عائلة لسهلي تدير وتشرف على هذه الزاوية حتى العام 1948 عندما قامت إسرائيل ومنظماتها العسكرية بطرد سكان بلد الشيخ وتدمير القرية. وجدير ذكره ان قبر الشيخ الشهيد عز الدين القسام وقبر النقابي الفلسطيني المعروف سامي طه موجودان في مقبرة قرية بلد الشيخ.

زوايا ومقامات أخرى في قرى حيفا مثل مقام النبي هوشان في قرية هوشة المهجرة والمدمرة قرب شفاعمرو، وزاوية الشيخ بريك في قرية الشيخ بريك. وغيرها من المقامات والزوايا التي من الضروري الاهتمام ببحثها وتعريف جمهور القراء بها. 

TOP