المشهد الثقافي في مدن الساحل الفلسطيني خلال فترة الانتداب البريطاني: من التكوين إلى الامتدادات العربية وصولاً إلى الصراع السياسي

عن الهجاج /أرشيف د. جوني منصور    د. جوني منصور     Sunday, May 7, 2017 at 3:10:14 PM
المشهد الثقافي في مدن الساحل الفلسطيني خلال فترة الانتداب البريطاني:  من ال... د. جوني منصور

عاشت فلسطين في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية ظروفًا متقلبة أسوة بسائر المناطق والبلاد التي كانت واقعة تحت حكم هذه الدولة والذي استمر لقرابة أربعة قرون ونيف (1516 - 1918). لكن في خضم هذه التقلبات حظي المشهد الثقافي ببعض العلامات الفارقة، وفي مقدمتها بدء ظهور جمعيات أهلية وصحف عربية وحراك ثقافي يمكن الإشارة إلى كونه محدودا في حيّزات جغرافية(المدن مثلا)، وفي حيّزات ثقافية (نخب قليلة ممن كسب معرفة وثقافة أوروبية في الأساس). وكان العام 1908 هو المفترق الرئيس في ظهور هذه المشهدية جراء ثورة تركيا الفتاة وإعلان جمعية الاتحاد والترقي عن نيتها تبني أسس الحرية والمساوة في الدولة. لكن بعد فترة زمنية وجيزة انقلبت هذه الجمعية على مبادئها وشددت قبضتها على الدولة ومواطنيها العرب بوجه خاص.

التحول الرئيس في بنية المشهد الثقافي كان في اعقاب وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني الذي استمر قرابة ثلاثة عقود زمنية (1918 - 1948). وبالرغم من تسمية هذا الحكم بـ "انتداب" إلا أنه كان بعيون سكان البلاد احتلال واستعمارا بكل ما كانت تعنيه الكلمة في ذلك الزمن. ولكن بالرغم من هذا الوضع والتعريف إلا أن حكومة الانتداب البريطاني أتاحت فسحا من حرية التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للسكان في فلسطين. حيث انتظم هؤلاء في حركات سياسية كالأحزاب ذات التوجهات المختلفة، وأيضا توفرت مؤسسات أخرى للعمل على تعزيز المشهد الثقافي في الأساس وهو موضوع محاضرتنا لهذا اليوم.

إن اليقظة / النهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها فلسطين لم تكن بفضل سياسات حكومة الانتداب، إنما بقدرة المجتمع الفلسطيني الاعتماد على ذاته وتطوير قدراته في كافة الميادين. فحكومة الانتداب البريطاني لم يكن همها إلا في الحفاظ على هدوء واستقرار في فلسطين لتتفرغ لمشاكل سياسية وعسكرية أخرى.

وبناء عليه اتجه المشهد الثقافي الفلسطيني في مسارين:

الأول وهو داخلي أي خاص بالفلسطينيين الذين أطلقوا مبادرات ثقافية متميزة مثل الصحافة، المسارح، المدارس، الأندية الثقافية والأدبية والرياضية، فرق الكشاف، صالات السينما، الأحزاب ودورها التثقيفي، الخ...

الثاني وهو خارجي أي عام يخص المحيط الفلسطيني متمثلاً بعنصرين / مركبين وهما: حكومة الانتداب وسياساتها، والحركة الصهيونية وسعيها إلى تطبيق مشروعها بإقامة وطن قومي(دولة) لليهود في فلسطين بناء على توجيهات وتوصيات وقرارات مؤتمرات صهيونية انعقدت تباعًا منذ المؤتمر الأول في بازل في عام 1897 وصولاً إلى تصريح بلفور (1917) الصادر عن حكومة بريطانيا والداعم لتطلعات اليهود بهذا الشأن. أما تطبيقيًا فإن سعي الحركة الصهيونية عبر مؤسساتها وفي مقدمتها القيرن قييمت بشراء مساحات من الأراضي وإقامة مستعمرات عليها لتوطين آلاف المهاجرين اليهود تمهيدا للسيطرة على فلسطين سياسيا وعسكريا وتحقيق مشروع إقامة الدولة.

لا شك في أن المسارين ساهما كل في ميدانه بإثراء المشهد الثقافي.

فالمسار الأول والمعتمد على المبادرات الفلسطينية الخاصة بإقامة مؤسسات أو هيئات ثقافية أو ذات توجهات ثقافية دفع بعدد من المثقفين إلى تولي هذه المبادرات. ففي يافا تمَّ تأسيس جريدة فلسطين على يد صاحبها ومحررها عيسى العيسى، ثم مجلة الأصمعي لصاحبها حنا العيسى، فجريدة الجامعة الإسلامية لصاحبها سليمان التاجي الفاروقي ثم جريدة الصراط المستقيم للقلقيلي، وجريدة الدفاع للشنطي وغيرها... كذلك الأمر في حيفا تأسست جريدة الكرمل لصاحبها ومحررها نجيب نصار، والتي قارعت المشروع الصهيوني بعد ان بانت لنصار حقيقة هذا المشروع. وأيضًا أسس جميل البحري مجلة "الزهرة" ومن ثم "الزهور" ذات التوجه الأدبي لكونه ساهم في إثراء المشهد الثقافي بمسرحيات مترجمة عن الأدب الفرنسي لأن ثقافته مؤسسة على اللغة والأدب الفرنسيين. وجريدة "النفير" لصاحبها زكا التي أظهرت ميولا مؤيدة للصهيونية لدرجة إصداره نسخة بالعبرية أطلق عليها اسم "هشوفار".

لا شك في أن الصحافة لعبت دورًا بارزًا في توعية القراء (بالرغم من أن نسبتهم ضئيلة مقارنة مع النسبة في المجتمع اليهودي المهاجر)، ومن ثم رسمت توجهات سياسية لعدد من الشخصيات السياسية والأحزاب. وكان لها أي الصحافة دورًا بارزًا في الصراع السياسي بين الحركة القومية العربية – الفلسطينية والحركة القومية الصهيونية.

مقابل ذلك فإن المدارس التبشيرية لم تبق الوحيدة ذات القدرة على توجيه الثقافة المتأثرة بفكر أوروبي، إنما انطلقت مبادرات فلسطينية إلى تأسيس مدارس خاصة كـ "مدرسة دار العلوم الإسلامية" و"مدرسة النهضة" و"مدرسة الرابطة الإسلامية" و"مدرسة الروضة" وغيرها في يافا، ومدرسة "الجمعية الإسلامية" و"السباعي" و"ثابت" و "الوداد" وغيرها في حيفا... هذه المدارس تمتعت باستقلالية معينة في إداراتها وتوجهاتها السياسية والاجتماعية ولعبت دورًا بارزًا في توسيع مساحة الحيز الثقافي ليكون خارج أطر المدارس التبشيرية او الأجنبية وتلك الخاضعة للحكومة. في هذه المبادرات ظهرت عوامل التشديد على الثقافة العربية والإسلامية، وتوجهات نحو الحفاظ على المورث الحضاري المتراكم عبر الأجيال.

إن ظهور الصحف وزيادة عدد المدارس فرض واقعًا تطلّب توفر مطابع، للقيام بمهام طباعية وبالتالي مع انتشار ظاهرة المطابع ازداد استهلاك السكان للمواد القرائية ليس فقط الصحف، بل كتب ومنشورات دعائية وتوجيهية لشركات ومؤسسات في القطاع الخاص، ومؤسسات وهيئات في القطاع العام، بما فيها الحكومي. وبلغ عدد مطابع يافا في فترة الانتداب أكثر من أربعين مطبعة. وفي حيفا زهاء العشرين مطبعة.

انتشار المطابع التجارية بهذا الشكل فيه دلالة على الاحتياج لمواد مطبوعة، وبالتالي إلى انتشار ظاهرة تأليف الكتب على أنواعها التعليمية والمطالعة. ولا يسعنا هنا إلا إلى الإشارة إلى الدور الثقافي الهام الذي لعبته المطابع في نشر المواد التثقيفية على أنواعها واستجابة لأذواق الجمهور المستهلك.

ونتيجة لهذه الظاهرة المحلية المطابع، الصحف والمدارس وبالتالي ارتفاع نسب القراء، تأسست مكتبات لبيع الكتب في يافا وحيفا بأعداد كبيرة ومن أبرزها المكتبة العصرية بفرعيها في يافا وحيفا، ومكتبة الطاهر بيافا والمكتبة الوطنية للبحري في حيفا.

وعلى صعيد الفنون المختلفة كالمسارح يمكننا الإشارة إلى مبادرات فلسطينية لتأسيس مسرح وطني، وأهمها مبادرة إسكندر أيوب بدران المولود في بيروت، والذي انتقل مع والدته للعيش والعمل في حيفا في نهايات الفترة العثمانية، دأب على رعاية فن التمثيل من خلال تأسيسه لفرقة الكرمل الحيفاوية والتي قدمت عروضًا مسرحية مستقلة بها امام جمهور واسع من حيفا وخارجها، وأيضًا المشاركة الفعلية في لعب أدوار في مسرحيات قدمتها فرق عربية وافدة إلى حيفا ويافا مثل فرقة رمسيس لعميد المسرح العربي يوسف وهبي. فكانت فرقته كفرق أخرى من مصر وسوريا ولبنان، تقدم عروضًا مسرحية في يافا والقدس وحيفا. وإلى جانب المسرح قدّم فنانون عروضهم الغنائية في المدينتين أمام جمهور واسع متشوق لسماعهم. فغنت ام كلثوم مرتين، وفريد الأطرش ست مرات بمرافقة شقيقته اسمهان، على مسرح سينما الحمرا في يافا ومسرح سينما عين دور في حيفا. كذلك عرضت الأفلام العربية وخصوصًا المصرية في صالات عرض السينما في المدينتين واستقطبت جمهورًا واسعًا مستهلكًا للثقافة بغزارة. وبرز محليًا عدد من  المطربين مثل نمر ناصر في يافا الذي كانت له أسطوانات تحوي أغانيه وعز الدين القمبرجي المنولوجيست، ودرويش اللبابيدي، ورجب الأكحل اشهر مطربي يافا وروزا أبو حلاوة التي كانت تقرأ القرآن، وتردد الأغاني الشائعة في حينه.. وكذلك ظهر حليم الرومي وغرام شيبا ونوح إبراهيم وسليم الحلو في حيفا. والأخير أسس المعهد الموسيقي العربي الوطني في حيفا في 1934، ثم توجه إلى بيروت مع اندلاع الثورة الفلسطينية ليؤسس معهدًا مماثلاً لا يزال يحمل الاسم ذاته إلى يومنا هذا. ولا يفوتنا هنا ان نذكر أن تأسيس إذاعة الشرق ألأدني في يافا كان له دور كبير في تنشيط الحركة الفنية الموسيقية على وجه الخصوص، حيث حضر عدد كبير من الفنانين العرب من مصر وغيرها لتسجيل أغانيهم وتقديم عروضهم في يافا وحيفا وغيرهما.

أما من لم يكن بإمكانه الاستفادة من هذا العرض الهائل للمواضيع الثقافية لسبب مالي، كان يلجأ إلى استهلاك ثقافي شعبي المعتمد على الحكواتي الذي يدور ويجول في حارات المدينة، وكذلك كان حظ النساء في المشاركة الخارجية (خارج أطار البيت) قليل، فأقمن ما يعرف باسم "الاستقبالات" مرة في الشهر او الأسبوع، وهذه انتشرت في المدينتين بشكل خاص في فترة الانتداب ووفرت شكلاً من أشكال المشهد الثقافي.

واعتبرت الرياضة والحركة الكشفية مجالات تثقيفية لشرائح واسعة من المجتمع من خلال تقديم عروض رياضية في كرة القدم والسلة والملاكمة والتنيس... واستقطبت هذه جمهور مشاهدين ومؤيدين كبير. وجرت معظم المباريات والألعاب في مدينتي يافا وحيفا، وإن كان قليل منها في القدس وعكا وغيرها. وتجدر الإشارة هنا إلى ان جمهور المشاركين والمشجعين لم يقتصر على سكان المدينتين إنما تعدّاه ليصل إلى القرى المحيطة بهما.

 

أما في المسار الخارجي والعام لبناء المشهد الثقافي في المدينتين فإن وجود جاليات أجنبية منذ فترات بعيدة فيهما كان له أثر ما على التعاطي مع هذا المشهد. فالجاليات التي سكنت مدن الساحل الفلسطيني اليونانية والإيطالية والروسية والألمانية والفرنسية ساهمت عبر مؤسساتها واختلاط أبنائها في نقل مفاهيم ومؤثرات ثقافية سواء في المظهر الخارجي للناس كالملابس، أو المظهر السلوكي الاجتماعي كالسباحة في مسابح عصرية، أو مشاهدة عروض موسيقية غربية أو قراءة أدبيات بلغات أخرى غير العربية، وغيرها...

 وبموازاة هذا الجانب كان لانتشار المستعمرات اليهودية في الساحل وجواره، وبالأخص الأحياء اليهودية في حيفا ومدينة تل ابيب الناشئة أثرًا غير مباشر، على تكوين وتطور المشهد الثقافي. فبالرغم من أن مساحات الاختلاط بين الجمهورين العربي واليهودي كانت قليلة إلا أن نخبًا من المجتمع العربي الفلسطيني في يافا وحيفا ذات ثقافة غربية سائدة ومتغلغلة داخلها استفادت من بعض ما كان يُقدّم من مواد ثقافية مستهلكة كالعروض المسرحية الأجنبية التي قدمت في تل ابيب وحيفا، وكونسرتات موسيقية وغيرها... فلا شك لدينا أن هذه المشهدية، وإن بقيت محدودة، إلا أنها كانت نافذةً أطلَّ من خلالها أبناء المجتمع الفلسطيني على المشهد الثقافي اليهودي المستقل أيضًا.

 

إن تعرُّض المجتمع الفلسطيني بعد الحرب العالمية الأولى إلى تعددية ثقافية اتاحت له فرصًا واسعة لتشكيل ثقافة متميزة من حيث كونها تحمل موروثـًا تاريخي وحضاري ثري على قاعدة التراكم، ومن جهة أخرى مواجهته المباشرة لمكونات ثقافية غريبة عن ثقافته، وبالأخص أوروبية، أي غربية سواء عن طريق الجاليات الأجنبية التي عاشت في المدن الساحلية على وجه الخصوص، او من خلال الاحتكاك اليومي مع نظام سياسي أوروبي متمثلاً بحكومة الانتداب. وأيضًا من خلال احتكاك وتماس يومي مع المجتمع الاستيطاني اليهودي الوافد من الغرب بوجه خاص وله مكوناته ومميزاته الخاصة المبنية على تحقيق رزمة من الأهداف الاستعمارية في أساسها الاستيلاء على أراض، وبسط هيمنة ونفوذ على مجموعة من الوظائف المفتاح التي تتيح الفرصة لتحقيق ميداني وواقعي فعلي للمشروع الاستيطاني الصهيوني.

أضف إلى كل هذا ما يتناوله الفلسطيني من شحنات ثقافية عبر وسائله المتاحة كالمدرسة والجريدة والمسرح والسينما كونت شخصيته الثقافية المؤسسة على مزيد من الانفتاح، على مزيد من التطلعات نحو تبني مفاتيح تغيير في الأنماط التفكيرية والسلوكية وتبني منهجية تعاطي مختلفة مع واقع جديد أفرزته الحرب العالمية الأولى وأساسها تغيير نظام الحكم.

هنا نستطيع القول وبتأكيد كبير أن مكونات حضارية غربية تركت أثرها عميقا في أوساط النخب المثقفة، التي سرعان ما تأقلمت وتفاعلت مع هذه التغييرات التي أحدثت نقلة نوعية للمجتمع المديني تاركة ورائها الريف في مسافة بعيدة من التعاطي مع الشأن الثقافي. ففي حين كانت هناك قربى بين المشهدية الحياتية في القرية وبعض أجزاء المدينة، أصبحت هناك فجوة آخذة بالاتساع بين المدينة والقرية في فترة الانتداب البريطاني.

لهذا، يمكننا فهم التحولات من كونها عامل مساعد على بلورة مشهد ثقافي جديد في مجتمع المدينة، مؤسس على حراك – ديناميكية غير متوقف، يثري ذاته باستمرار، مع فرص بدت غير متناهية لإمكانية استهلاك ثقافي وارد او مستورد من أوروبا ومن المجتمع الاستيطاني اليهودي القريب.

هذه التوليفة الثقافية لعبت دورًا مركزيًا في تطوير وتنمية قدرات مستقبلية لتحقيق المزيد من الانتاج الثقافي تجلى في سلسلة من الانتاجات: السينمائية والغنائية والمسرحية والأدبية وسواها.

لهذا، لم يكن المجتمع الفلسطيني بمعزل عن التأثر بثقافات إقليمية وغربية... صحيح ان فلسطين كانت جسر عبور لشعوب وجيوش وحكام، إلا أنها كانت دائما تتأثر وتذوّت في داخلها، دون أن تفقد هويتها الشخصية. وهذا هو امر الفترة التي نتحدث عنها في دراستنا هذه، حيث دخل المجتمع الفلسطيني فترة الانتداب مزودًا بطاقة ثقافية اعتبرها البعض أنها بدائية، والأمر غير متعلق بالمجتمع ذاته إنما لظروف الزمن وما جرى فيه في ظل الحكم العثماني... وترافقت هذه الطاقة مع هذا المجتمع لتتزود بالجديد مما أتيح لها التزود به، دون ان تترك موروثها لصالح الجديد... فكنتَ تجد مثقفًا يجيد العربية ويجيد الإنجليزية بنفس المستوى في غالب الأحوال..

 

قلنا أعلاه، أن نمو وتطور المشهد الثقافي في المدينة الفلسطينية الساحلية خصوصًا، لم يكن بمنأى عمَّا كان يجري في الشأن السياسي، والاشارة هنا إلى الصراع الصهيوني – العربي الذي تأجج خلال فترة الانتداب البريطاني بفعل سياسات الحركة الصهيونية الساعية إلى تحقيق المشروع الصهيوني وهو إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، وسياسات الحكومة البريطانية في لندن والانتدابية في فلسطين الداعمة والمناصرة لهذا المشروع. وتأثرت كافة مكونات الحياة الفلسطينية بهذا الوضع الذي ساهم في بلورة مشهد ثقافي مقاوم ومناهض للمشروع من خلال محاضرات ومقالا ت صحافية ومؤلفات (وإن كان عددها أقل) تُعزز العلاقة التاريخية بين الفلسطيني وماضيه وارضه. ومما لا شك فيه أن هذا الصراع قد حرّك المشهد كله ليكون في مواجهته. فالسياسة لها دور في الدفاع عن فلسطين وشعب فلسطين، والاقتصاد اضطر لأن يكون اقتصادًا تنافسيًا مع الاقتصاد الصهيوني المؤسس جيدًا... واحيانًا كثيرة لم يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من الصمود امام قوة وقدرة الاقتصاد الصهيوني في السوق.

إن الصراع السياسي القى بظلاله على مشهد الحياة اليومي، فبادرت الصحف إلى مناقشة الصراع، وفقًا لتوجهات سياسية مستقلة او متأثرة بانتمائها وتعاطفها مع تيار سياسي وحزبي معين.. ومما لا شك فيه أن الحالة السياسية الطارئة استنفذت طاقات كبيرة وهائلة. ونهاية الصراع في مرحلته الأولى كان في العام 1948، حيث تم تدمير المدينة الفلسطينية في حرب 1948 وحلّت نكبة على الشعب الفلسطيني عامة.

خطة إبادة المدينة الفلسطينية على يد منظمات عسكرية صهيونية كان من بين تداعياتها تدمير المشهد الثقافي في يافا وحيفا وغيرها من المدن الفلسطينية. فتوقفت الحياة الثقافية لفترة طويلة، ولم تنجح إلى يومنا هذا في استعادة نفسها.

فالحرب لم تكن فقط عسكرية، بل سياسية واقتصادية وثقافية. فبخصوص المشهد الثقافي فقد توقف كلية في يافا وحيفا. أغلقت الصحف، بعض منها انتقل ليعيش فترة ما في ظل حكومة الأردن، وأغلقت المطابع وتم الاستيلاء على بعض منها على يد هذه المنظمات. وأقفلت مدارس كثيرة لعدم تمكنها من الاستمرار بدون طلابها، هُجِّر عدد كبير جدًا من المثقفين من أُدباء وشعراء وموظفين الذين شكلوا الطبقة المثقفة داخل مجتمع المدينة الفلسطينية. بمعنى آخر، فقد تم تدمير الحياة الثقافية كما تم تدمير العمران والمؤسسات وتحويل أبناء المدينتين برمتهم إلى لاجئين، صار همهم كيفية توفير لقمة العيش وصراع البقاء والتخطيط للعودة...

لقد حقق المشروع الصهيوني عدة إنجازات بانتصاره على العرب وطرده الفلسطينيين من فلسطين. فتم تدمير الاقتصاد الفلسطيني الذي كان عمادًا للحياة الاجتماعية والثقافية. وتمَّ تدمير البنى الثقافية بكاملها تقريبا، لدرجة أنه تم سرقة آلاف الكتب ووضعها في أقبية الجامعة والمكتبة الوطنية...

وبالتالي احتاجت المدينة الفلسطينية إلى فترة زمنية طويلة لتعود إلى ما كانت عليه، او بالأحرى إلى جزء مما كانت عليه وهي فاقدة لكل شيء، وواقعة تحت حكم عسكري لمدة عشرين عاما، ومنقطعة عن تواصلها بامتدادها العربي المحيط القريب والبعيد.

وهناك محاولات جادة لاستعادة الحركة الثقافية الفلسطينية في المدن من خلال توثيق الماضي وتجميع الصور والوثائق والمستندات وبالتالي إلى تدوين نصوص تاريخية تشكل الرواية الفلسطينية لما حصل وما آلت إليه الأحوال.

يمكنني القول إن فقدان المدينة الفلسطينية في العام 1948 ألقى بظلاله عميقا على مسيرة الحركة الثقافية منذ الفقدان وإلى يومنا، إذ وجد الفلسطيني الباقي في مدينته والوافد إليها، وجد نفسه في مواجهة مشهد ثقافي يعمل على تهجينه من خلال اسرلته وإبعاده عن كل ما هو ثقافة فلسطينية. فكل المحاولات والمبادرات التي نراها في أيامنا في يافا وحيفا وعكا ما هي إلا لبعث يقظة تعمل على إعادة البناء بعد سبعة عقود.

 

 

TOP