أصوات عربية من فلسطين في العقدين الأولين من القرن العشرين: نجيب نصار وجريدة الكرمل نموذجًا

ما سمهاش هيك /أرشيف د. جوني منصور    بقلم: د. جوني منصور     Monday, July 3, 2017 at 10:37:48 AM
أصوات عربية من فلسطين في العقدين الأولين من القرن العشرين:  نجيب نصار وجريد...

شهد النصف الأخير من القرن التاسع عشر حركة نهضة عربية ثقافية وقومية كانت ركيزة اساسية لتطور الحركات الوطنية والتحررية في العالم العربي في وقت لاحق. ولم تكن فلسطين بمنأى عما كان يجري ويدور من حولها من نشاط سياسي عربي قومي، ولكن قضايا فلسطين الخاصة بها اختلفت نوعا ما عن محيطها، وذلك جراء انطلاق المشروع الصهيوني بكافة مركباته وتشعباته. وكان لا بد للفلسطينيين من مواجهة هذا المشروع. وتزامن هذا الحراك من الطرفين: الفلسطيني والصهيوني في فترة شهدت فيها الدولة العثمانية مسلسلا من التحولات السياسية الداخلية أدى إلى وضع حد لاوتوقراطية السلطان عبد الحميد الثاني واطلاق الحريات لفترة وجيزة.

ضمن هذه الحلقة التحولية من العام 1908 انطلقت مجموعة من الأصوات الحداثوية والنهضوية والثورية إن جاز لنا التعبير، كان أبرزها نجيب نصار صاحب ومحرر جريدة الكرمل في حيفا بين 1908 سنة التأسيس وحتى 1941 سنة التوقف ثم الاغلاق الرسمي في 1944.

نجيب نصار اللبناني المولد والمنشأ، لم تمنعه الجغرافية من الانتقال إلى حيفا في فلسطين ضمن البلاد السورية ليطلق مشروعه الصحافي. حيث استطاع هذا الرجل أن يحول قضية فلسطين من مسألة محلية  وهامشية إلى عربية وقومية، بل إلى مسألة نقاشية بين تيارات مختلفة عربية وعثمانية وصهيونية قلقة من توجهاته وطروحاته.

وناضل نصار وعلى مدى اربعة عقود زمنية من أجل تأكيد عروبة فلسطين وصلتها بالعرب ومحيطها، ومؤكدا أن قضية فلسطين هي قضية العرب وليست قضية فلسطين وشعبها فقط.

وليس من شك ابدا أنه في خضم تبلور الوعي القومي، من خلال النهضة الفكرية والثقافية الجارية في أوساط النخب العربية، أو على المستوى الشعبي، فإن الحركة القومية العربية في نهاية الأمر تصدت للحركة الصهيونية فكرا وممارسة. ولكن في الفترة التي تعالجها هذه الورقة لم يكن الوضع هكذا، إذ ان الحركة الصهيونية بدأت تطبق مشروعها باللجوء إلى تبني أدوات السيطرة في أروقة السلطة العثمانية وإن كان الأمر تدريجيا. وبلغ الأمر بالحركة الصهيونية ان عملت في عدد من المسارات، من بينها تكثيف الضغط على الدولة العثمانية لتسهيل أمر بيع الأراضي في فلسطين والهجرة إليها وإقامة المستعمرات الصهيونية، وبالتوازي تكثيف النشاط الصهيوني في أوروبا لدعم الرأي العام الاوروبي للمشروع الصهيوني.

هذا النشاط لم يكن خافيا على الفلسطينيين خاصة بالتزامن مع ولادة الحركة القومية العربية.

وشنت الصحف التي تأسست في فلسطين ابتداء من العام 1908 حملة شعواء على المشروع الصهيوني، وكانت في مقدمتها الكرمل لنجيب نصار وفلسطين لعيسى العيسى. وبهذا ساهمت هذه الصحف في تعزيز ميزة الحركة الوطنية الفلسطينية ضمن إطارها القومي العربي، حيث انتهى الأمر بالمشروع الصهيوني في الأجندة العربية يحتل موقعا مركزيا ضمن نضالاتها السياسية والفكرية والعسكرية في نهاية المطاف.

أدرك نصار أن المشروع الصهيوني يشكل خطرا على واقع ومستقبل فلسطين وشعبها والعرب كافة. بمعنى أن الخطر الصهيوني ليس بؤريا، اي على نقطة محددة من الامتداد الجغرافي العربي، إنما هو شمولي في مكوناته وطروحاته وتوجهاته وتطبيقاته. لهذا جاءت أسس مشروع نجيب نصار للتصدي لهذا المشروع ومناهضته بكل الطرق المؤاتية في ذاك الوقت.

وتميزت جريدة الكرمل برفع لواء مقاومة ومناهضة العرب للمشروع الصهيوني. وبنظرة إلى الوراء إلى ذاك الرجل وذاك الزمن فإننا نتبين أنه ساهم مساهمة نوعية في نشر الوعي عن الصهيونية والتعريف بها وبنشاطاتها وتطلعاتها الاستعمارية. فأكد على مسارها العنصري والاقتلاعي والاحلالي. اعتمد المعرفة منهجا وعملا بحيث اطلع على معلومات موسوعية عن الصهيونية طارحا الشعارات جانبا غير مائل إليها البتة.

المحاور التي أثارها: فلسطينيا، وعربيا وعثمانيا.

ففي المحورالفلسطيني لم يتوان من أن يوجه نقدا لاذعا لقيادات فلسطينية ساهمت في بيع الأراضي، بالرغم من انه لم يجرؤ في البداية على ذلك غلا بعد ان وجهت إليه رسائل في هذا الصدد. ومن خلال جولاته المستمرة في الريف الفلسطيني أدرك حجم التخلف في القطاع الزراعي، وادرك حجم القمع الذي يعيش فيه الفلاح تحت سيطرة ملاكي الأراضي، واهمال الدولة له ولمصيره. وآمن ان عِماد أي مجتمع يكون على قدرة أبنائه في النهوض الاقتصادي بالوطن. لهذا دعا إلى تحرير الفلاح ودعمه وتوفير كل الامكانات للنهوض بالقطاع الزراعي دون إهمال القطاعات الأخرى ومن بينها الصناعي والثقافي على حد سواء. هنا على وجه التحديد راى أنه لمواجهة المشروع والنشاط الصهيوني يجب ان يتوفر مستوى إقتصادي يرقى إلى درجة التحدي للمستوى الاقتصادي القائم في المستعمرات الصهيونية التي أقيمت في بعض مناطق فلسطين. لا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل هناك حاجة ماسة وفقا لرؤيته بوضع أسس للتنظيم في مجالات الإدارة والمال وغيرها. وضرورة تأسيس شركات وجمعيات تسعى إلى النهوض الشامل للمجتمع بكافة مركباته. هذه النهضة الفلسطينية ستؤول في نهاية الأمر إلى الحفاظ على الأراضي وعدم بيعها أو تسريبها إلى اليهود.

بدراسته للصهيونية ومخططاتها ونشاطها رأى نصار   ما هو آت في المستقبل، حيث أن عدم التصدي للمشروع الصهيوني ومناهضته ومقاومته سيؤدي الأمر إلى امتداده وسيطرته على القدس وطرد المسلمين والمسيحيين منها ومن سائر مناطق فلسطين.

 كان نصار أول من نبه الفلسطينيين والعرب إلى خطر الصهيونية ومشروعها من خلال كراسة نشرها عن الحركة الصهيونية وطروحاتها.

وبناء عليه وجه نصار جل جهده إلى تشكيل الرأي العام الفلسطيني ليكون قوة ضاغطة على الدولة العثمانية في قطع دابر الحركة الصهيونية ونشاطها في فلسطين خاصة وفي اروقة السلطة في استنبول.

نستطيع القول أن نصار حقق نجاحا ملحوظا في جذب الصحف الفلسطينية إلى توجيه عنايتها واهتمامها بالقضية الفلسطينية لمواجهة الخطر الصهيوني، بالإضافة إلى توجيه عناية رجالات السياسة في فلسطين إلى خطورة هذا المشروع بعد أن أصيب بعضهم بوهم رسالة الصهيونية لفائدة فلسطين وشعب فلسطين.

 

وفي المحور العربي واجه تعقيدات كثيرة من بينها ضرورة اقناع قيادات سياسية وصحف وأطر سياسية بأن فلسطين العربية تتعرض إلى هجمة شرسة من الصهيونية لتحويلها إلى وطن قومي لليهود. واحتاج إلى جهد كبير ليقنع محرري صحف عربية في دمشق والقاهرة للوقوف إلى جانب طروحاته وابعاد هذه الصحف وغيرها عن الوقوع في أحضان الحركة الصهيونية وتأثيراتها.  وحقق نجاحات كبيرة في التعاون مع بعض الصحف العربية (القبس مثلا)، وقامت هذه بدورها بالتصدي للمشروع الصهيوني.

مقابل هذا قام بمحاولة ثني زعماء سياسيين في البلاد العربية عن التفاهم مع الصهيونية موضحا لهم فكر المؤامرة الذي تتبناه الصهيونية وسعيها الحثيث إلى التظاهر بالمنفعة العامة لفلسطين ولسكانها، وحقق بعض النجاحات في منع التوصل إلى تفاهمات واتفاقات بين الصهيونية وبين قيادات سياسية عربية.

واشتغل على تشكيل رأي عام عربي من خلال انتشار صحيفته خارج فلسطين، وأيضا من خلال مبادرته إلى كتابة آرائه وفكره في الصحف العربية عامة، وبالتالي اطلاع القراء العرب على حقيقة الأمر. وحقق نجاحا في مد عملية تشكيل الرأي العام الفلسطيني والعربي معا للتصدي بقوة للمشروع الصهيوني.

لا شك في ان تأليب الرأي العام الذي رفعت لوائه الكرمل بعناد قد أثمر في أوساط شريحة واسعة من صُنّاع القرار في استنبول حيث اتخذت بعض الخطوات للحد من عمليات بيع الأراضي للحركة الصهيونية وحفظها لسكان فلسطين الأصليين مما يضمن لهم البقاء والاستمرارية.

واعتقد نصار أنه يتوجب على العرب عامة تركيز جهودهم في القضية الجلل التي تتعرض لها فلسطين، نعني بيع الأراضي والاستيلاء عليها من قبل الحركة الصهيونية، إلا أن هذا الاعتقاد لم يكن حاصلا، حيث ان الحركة القومية اعتبرت أن القضية التي يجب معالجتها في حجمها الكبير والواسع هي القضية العربية وعلاقة العرب مع الدولة العثمانية والمطالبة بالاصلاح والتغيير. بمعنى آخر أن الحركة القومية العربية أرادت جر العرب إلى جانبها، في حين أن نصار أراد أن تكون قضية فلسطين هي في سلم الاولويات وفي مقدمة الأجندة العربية لأنه رأى خطورة الصهيونية بطريقة مغايرة للحركة القومية العربية التي لم تر هذا الخطر بهذا الشكل، لذلك لم يعالج المؤتمر العربي في باريس موضوع الصهيونية وكذلك لم يعالج موضوع فلسطين. قرارات المؤتمر  دعت إلى تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الإدارية والثقافية والخدمية.  لكن القضية الملحة في المؤتمر كانت تتمحور حول مصير العلاقة بين الأمة العربية والدولة العثمانية، هذا الأمر حسمته لاحقا الحرب العالمية الأولى.

ولقد شارك مندوب عن الحركة الصهيونية في هذا المؤتمر، قام بطمئنة باعثيه إلى ان سير الجلسات والقرارات لا تضر حركته مطلقا.

وشهر نصار قلمه على المؤتمر وقراراته فكتب:"... اما مؤتمر باريس فتقضي المصلحة العربية المحافظة علينا لأننا فريق من العرب الذين يطلب له الاصلاح، وهذا الفريق يؤلف قوة لا يستهان بها، ووطننا جزء لا يتجزأ من الوطن العربي العثماني". ولأنه اعتبر ان مؤتمر باريس فيه حضور صهيوني ساع إلى التوصل إلى تفاهم مع العرب وإلى وضع كوابح في مسيرة الحركة القومية العربية كي لا تلحق ضررا بالصهيونية، فإنه اي نصار دعا إلى الرد على هذا المؤتمر بمؤتمر لاصهيوني يعقد في نابلس.

أما في المحور العثماني فبتأثير الصحف الفلسطينية والعربية نقل الزعماء السياسيون الفلسطينيون معارضة الشعب الفلسطيني إلى أروقة البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان). ودعا  نصار مندوبي فلسطين وسوريا المخلصين إلى عدم تفويت الفرصة ومناقشة موضوع فلسطين في لجتماعات هذا المجلس، وبدأ روحي الخالدي مندوب القدس حملته العنيفة على الصهيونية باعتبارها ضارة لمصالح العثمانيين، اي ليس فقط لمصالح الفلسطينيين والعرب. وطالب من الحكومة العثمانية ان تبين الاجراءات التي سوف تتخذها للحد من تفشي الخطر الصهيوني. وكذا فعل شكري العسلي قائمقام الناصرة ثم مندوب دمشق في المجلس الذي شرح خطورة عمليات شراء الأراضي واقتلاع السكان منها وترحيلهم.

لا شك أن متابعات نصار لهذه الحملات ونشرها في جريدته ألبت الرأي العام في الدولة العثمانية فوضعت الحكومة في استنبول بعض القيود على النشاط الصهيوني.

إزاء هذا النجاح الملحوظ الذي حققه مشروع نجيب نصار المناهض والمقاوم للمشروع الصهيوني بادرت الحركة الصهيونية إلى التصدي له باعتباره يشكل خطرا على مشروعها آنيا ومستقبليا. بادرت الحركة الصهيونية إلى تبني عدة خطوات من بينها شراء جرائد عربية وفلسطينية من بارزها النفير والمقطم، وتجنيد صحافيين يهود وعرب للدفاع عن الرؤى الصهيونية وفوائدها الجمة لخدمة الانسانية وبخاصة لفلسطين، والعمل في أروقة السياسيين في استنبول لإدراكها ان القرارات تصدر منها. ومما لا شك فيه ان شخصيات يهودية وصهيونية قد عملت مع الاتحاديين على قلب الحكم على السلطان عبد الحميد وتولي بعضهم مناصب وزارية وادارية وفرت مساعدات وتسهيلات للمشروع الصهيوني خاصة في مسألتي الأراضي والهجرة. إلى جانب ذلك سعت الحركة الصهيونية إلى التوصل إلى تفاهمات مع قيادات وأعلام قومية عربية بخصوص فلسطين وواقعها ومستقبلها. إلا أن حملات الصحف العربية والفلسطينية وبخاصة الكرمل ساهمت كثيرا في وضع حد لهذه التفاهمات من منطلق أنها لن تعود بالفائدة على الفلسطينيين والعرب.

وتنبى نصار آليات عمل ومواجهة متطورة بمفهوم ذاك الزمن، حيث ان لم يخفي رغبته أو موافقته على حضور وفد سوري للمؤتمر الصهيوني الحادي عشر لمشاهدة التنظيم والاتحاد والعمل ولتعلم كيفية الإعداد لمؤتمر اللاصهيوني الذي كان يفكر بعقده. وكان يتطلع غلى تكوين أو صناعة رجال ينفحون في شعبهم روحا قويمة كهرتزل.

إزاء ملاصقته للمؤتمر الصهيوني بادرت القيادات الصهيونية إلى إطلاق أصوات صهيونية مقابل اصوات نصار وغيره من مناهضي الصهيونية لتهدئة الرأي العام العربي في الدولة العثمانية ولتكوين رأي عام يتقبل الصهيونية. وبرؤية ثاقبة رأى نصار أنه من الضروري التصدي لكل خطوة تقوم بها الصهيونية بعد دراستها جيدا وجديا. وهو بهذا يؤسس لتنظيم أوراق البيت الفلسطيني بما يتعلق والصهيونية، لكونه رأى الخطر القادم بحجمه الكبير دون اية محاولة لتصغيره.

هل كان نجيب نصار يبني مشروعا عربيا نهضويا وثوريا في الوقت ذاته؟ هذا هو موضوع مركزي بحاجة إلى مزيد من الدراسة الشاملة لفهم طريقه وطريقة عمله. لكن التأسيس الذي وضعه نصار بجعل مسألة مناهضة ومقاومية الصهيونية فلسطينية وعربية وعثمانية جعلته يخطو عدة خطوات إلى الأمام، من بينها بل باعتقادنا في مقدمتها فتح باب النقاش عربيا عربيا لتطوير آليات فكرية تصل إلى درجة  وعي كبير لمستقبلها وليس فقط لمعالجة اللحظة الآنية الحاصلة.  

بمعنى آخر الصوت الذي اطلقه نصار في هذا السياق هو لإثراء النقاش العربي بالمعلومات حول الصهيونية وبالتالي إلى بلورة فكر عربي صرف مبادر وليس رد فعل لقضية الحركة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني. وكان شبلي شميل قد ذهب إلى التنديد بخصوم الصهيونية لأنه ليس في كتاباتهم غير التحذير من الصهيونيين ووجوب مقاومتهم، لا الاقتداء بهم لتتكافأ القوتان. فجاءه رد نصار الذي يلومه على إنكاره حق خصوم الصهيونية في الدفاع عن بقائهم ووجودهم ويتهمهم بتضليل الجمهور في مقالات تنشرها الصحف. ويرى نصار في أن قوة العرب في خلق زعماء يقودونهم كما هو الحال لدى اليهود، ولا يعتبر مسألة الاقتداء خطأ بل درسا جدير بالعرب فهمه وتذويته.

هذه الخبرة القوية والفاعلة دفعت نصار إلى قراءة معمقة ومستمرة للواقع الذي يعيشه داخل صيرورة الأحداث، اي أنه أعلن ثورة على التقاليد  القائمة في المجتمع الفلسطيني والعربي، على قاعدة دفع الشباب إلى الالتحاق بالركب التقدمي والنهضوي لأنهم عماد وأساس المستقبل.

 

توقفت الكرمل عن الصدور خلال الحرب العالمية الأولى 1914-1918 وذلك بقرار حكومة استنبول بإغلاقها كباقي الصحف استنادا على قوانين وأنظمة الطوارئ. وتجدد نشاطها في 7 شباط 1920 وسط اجواء جديدة من السياسة والظروف النضالية ضد المشروع الصهيوني الذي توفرت له دفيئة حميمية هي بريطانية.

الأصوات العربية وخاصة صوت نصار لم يتنازل عن التصدي للمشروع الصهيوني، لكنه تحول إلى صوت فلسطيني يعتمد على ذاته، في ظل سعي حركات النضال والتحرر العربية في سوريا ولبنان والعراق إلى العمل منفردة من أجل رفع نير الاحتلال عنها، فالهم الفلسطيني مع بداية الانتداب البريطاني بات وحيدا، إلى ان تحقق الحركة الوطنية الفلسطينية  من جديد دعما والتفافا عربيا حولها.

لكن في المحصلة الأخيرة نستطيع القول إن مشروع نجيب نصار وجريدته الكرمل، تمتع باستقلالية فكرية ولم يكن مرتبطا بأي تيار سياسي وحزبي ضيق، إنما برؤية وتطلعات عربية نهضوية وقومية وثورية وحداثوية صرفة. مؤسسا لفكر عروبي قومي يدافع عن حقوقه بكامل تفاصيلها دون التنازل عن أي مبدأ أو أرض أو تراث، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن نظرته المستقبلية ثاقبة للغاية، حيث أنها تمتعت بنبوية معينة إن جاز لي التعبير في هذا السياق لما سيؤول إليه وضع فلسطين مع توالي الأيام والعقود. وما وقع في العام 1948 من نكبة فلسطينية واتقلاع للشعب الفلسطيني من أراضيه وموطنه وتحويله إلى لاجئ في وطنه وخارجه هو تحقيق للصوت النبوي الذي أطلقه نصار من على صفحات جريدته وعلى مدى عقود طويلة كما اشرنا إلى ذلك.

آمل، ان تكون ورقتي هذه قد اضافت بعض المعلومات والتحليلات على حياة ومساهمة نصار وجريدته الكرمل بالنسبة للفكر النهضوي والحداثوي والقومي وأيضًا ان تشكل دعوة إلى القيام بمزيد من الدراسات المعمقة حول دور الصحافة الفلسطينية والعربية في مناهضة المشروع الصهيوني في فترات مبكرة جدا.

 

حيفا في 4 حزيران 2017

TOP