مار الياس "الخضر" مرةً اخرى - عرابة البطوف 30/10

أحداث ومقالات    بقلم: الطبيب يوسف عراقي     Saturday, June 3, 2017 at 11:16:26 PM
مار الياس "الخضر" مرةً اخرى - عرابة البطوف 30/10

**رائحة الوطن

في نهاية الطريق التي تحف به اشجار السنديان والصنوبر الباسقة، حيث دير مار الياس المعروف "بالمحرقة" في منطقة تعتبر اعلى قمم الكرمل والتي ترتفع حوالي 500 متر الا قليلًا عن سطح البحر، والتي تشرف على مرج ابن عامر و"وادي الملح". لقد راقني هذا الجو الرائع، لفحات صافية،ونفحات طيبة، وشعرت ان ارنبتي انفي تتنشقان هواءً مشبعًا برائحة الوطن ملأت صدري بنسمات عليلة وأغصان الأشجار الباسقة تتراقص من حولي وحفيف أوراق الشجر كسحر موسيقى ناعمة


** جرحٌ نازف

"ام رشيد" جمانة كانت طفلة ايام الحصار، عبّرت بكلماتٍ مؤثرة عن المجزرة والحصار وهي التي فقدت والدها شهيدا في ابنة قرية شعب والتي عادت الى الوطن، تحدثت بحرقة ومرارة قائلةً: "ما تركناه هناك يبقى محفورا الى الأبد وحيث يكون ماضيك يكون قلبك" وتردد قائلة: "عيوننا شهدت وشاهدت من الأحداث اكثر بكثير مما سمعت آذان الآخرين. كان لقاء حرك المواجع فتل الزعتر جرحٌ نازف لم يندمل”.


في صبيحة هذا اليوم سأزور ما تبقى من سلسلة جبال الكرمل، لقد نسيت روتين الصباح هنا على ارض الوطن، كل صباحٍ هنا جديد، له لونه ونكهته الخاصة وهذا صباحٌ كرملي. انطلقنا جنوبًا وانعطف بنا عادل يسارًا وصعودا الى "طيرة الكرمل"،في طرق ملتوية، وطبيعة غنّاء، تتخللها مساحات لأشجار السنديان والصنوبر. عرفت من عزيز وعادل انه مكان مفضل لاهالي حيفا لقضاء نهاية الأسبوع هنا بين احضان الطبيعة. تابعنا سيرنا ومررنا ببلدة عسفيا باتجاه "دالية الكرمل " وفي نهاية الطريق التي تحف به اشجار السنديان والصنوبر الباسقة، حيث دير مار الياس المعروف "بالمحرقة" في منطقة تعتبر اعلى قمم الكرمل والتي ترتفع حوالي 500 متر الا قليلًا عن سطح البحر، والتي تشرف على مرج ابن عامر و"وادي الملح".
لقد راقني هذا الجو الرائع، لفحات صافية،ونفحات طيبة،وشعرت ان ارنبتي انفي تتنشقان هواءً مشبعًا برائحة الوطن ملأت صدري بنسمات عليلة وأغصان الأشجار الباسقة تتراقص من حولي وحفيف أوراق الشجر كسحر موسيقى ناعمة، نظرت الى زرقة السماء،واستحضرت سماء النرويج في هذا اليوم التشريني حيث يكدّر وجهها الغيوم ويرهقها اللون الرمادي. ما اروع الهدوء والسكينة في هذا المكان،. سرنا باتجاه الدير وعبرنا البوابة الحديدية التي تفضي الى باحة واسعة يتوسطها تمثال كبير للنبي الياس شاهرًا سيفه، وواضعا قدمه على رأس احد أنبياء بعل، تمثالٌ فيه الكثير من رمزية ما حدث هنا حسب رواية "الكتاب المقدس" في "سفر الملوك"، وما قام عزيز بشرحه حول ابنة ملك صور والتي تزوجت احد ملوك اسرائيل وادخلت عبادة الاله بعل، وعن مبارزة وتحدٍّ بين النبي الياس وأنبياء الاله بعل، وذلك بان وضعت كومة من الحطب عند المذبح وفشلت دعوات أنبياء بعل بإنزال النار من السماء،وضع النبي الياس ماءً على الذبيحة ودعا فنزلت النار من السماء،عندها قام النبي مع الشعب بأخذ الأنبياء الكَذَبة وذبحهم عند نهر المقطع.
تابعنا سيرنا الى الدير والذي يشبه القلعة ويعود الى العصر البيزنطي ويتبع الآباء الكرملين.
ونظرا لان النبي الياس وهو" الخضر" عند المسلمين وله منزلة خاصة عند الموحدين الدروز فقد أقيمت في بداية القرن السابع عشر بعض القرى الدرزية مثل "عسفيا" و "دالية الكرمل" في عهد الامير فخر الدين المعني الكبير. واصبح الدير معْلمًا سياحيًا يستقطب الكثير من السياح من كل أنحاء العالم.
دخلنا الدير واتجهنا الى الجهة الشرقية حيث الشرفة الواسعة والتي تشرف على مرج ابن عامر ووادي الملح الممر التاريخي الذي شهد معظم الغزوات والفتوحات عبر التاريخ.
وهذه المنطقة هي جزء من بلاد " الروحة" وهي من اكثر المناطق خصوبة في فلسطين ويقع وادي الملح في الطرف الشمالي لبلاد الروحة.وكان وادي الملح هو الطريق التجاري القديم، الذي يربط مصر بالإمبراطوريات الشمالية في سوريا وبلاد ما بين النهرين وبلاد الأناضول. وقد شهد هذا الوادي أشهر المعارك عبر التاريخ. حسب روايات الاصوليين الإنجيليين او "الصهيونية المسيحية" ان معركة "ارمجيدون" ستنشب في هذا الوادي. تقول الكاتبة الامريكية " جريس هالسل" في كتابها. “ النبوءة و السياسة" : ان لاتباع هذه الفئة حضورًا قويا في الولايات المتحدة يصل الى 40 مليون شخص ولهم نفوذ وتأثير قوي داخل المجتمع الامريكي- وكان الرئيس ريغان احدهم -. يتحدثون عن محرقة نووية حيث سيحرق كل الناس (المسلمين والمسيحيين العلمانيين واليهود) ما عدا المسيحيين الإنجيليين تحضيرًا لعودة المسيح "المخلِّص" الذي سيحكم الف عام وعودته مشروطة بقيام "دولة صهيون".
ومن هنا من على هذه الشرفة تبدو أمامنا " بانوراما" رائعة،مرج ابن عامر وفي المقابل تبدو العفولة والناصرة والجليل.
كيف يخطر ببال هؤلاء المتعصبين، الذين لايعرفون التساهل، بقلوبهم المثقلة بالحقد ان يتخيلوا بانه بهذا المكان الرائع بطبيعته الخلابة، بهذا الهدوء والسكينة، انها ستكون مسرحًا لحروب ومحرقة لمئات الملايين من البشر ؟.( وما يثير القلق هو ما يحدث الآن في المنطقة العربية من نواة "لصهيونية إسلاموية" بدت ملامحها تظهر منذ بداية ما يسمى بالربيع العربي). كانت جولة مفعمة بجمال الطبيعة والتاريخ في أعالي الكرمل تعرفت من خلالها على " وادي الملح "والذي قرأت عنه كثيرًا ومع هذا اللفحات الصافيات شعرت بغبطة وحبور، كأنني اسمع صوتًا يقول لي: ابق هنا بيننا.
ولكن … علي ان أغادر لان هناك من ينتظرني في عرابة البطوف هذا المساء.
توجهنا مساءً الى "عرابة البطوف" قاصدين "مركز محمود درويش الثقافي" حيث ستقام الأمسية. في الطريق استرجعت ذاكرتي مع عرابة البطوف،تحملني افكاري مسافات زمانية طويلة تبدأ بظاهر العمر قبل اكثر 300 عام الى يوم الارض الخالد قبل 40 عامًا.الى هبة اوكتوبر عام 2000. الشيخ ظاهر العمر احد اهم الحكام العرب في العصر العثماني والذي حاول ان يحارب الاضطهاد والقهر ويساعد صغار الفلاحين ضد سطوة الولاة والمحاسيب.وحاول بناء حكم مستقل في فلسطين آنذاك، اختلف المؤرخون حول مكان ولادته ولكن الأرجح هو عرابة البطوف من ام بدوية من عرب السردية وله اخت اسمها شمّا( من كتاب ظاهر العمر : المحامي توفيق معمّر ابن الناصرة). 
وصلنا الى سخنين وكان الليل قد أرخى سدوله، واستطعنا بعد جهد الوصول الى المركز الثقافي الذي يقع في أطراف البلدة والذي يحمل اسم أيقونة الشعر العربي والفلسطيني محمود درويش. اسقبلنا رئيس بلدية عرابة المربي علي عاصلة والأستاذ محمود ابو حجازي مدير مركز محمود درويش الثقافي وحضور كبير من المدينة والبلدات المجاورة.
وكانت المفاجأة السارة - والتي ساهم في ترتيبها الأخ جمال ابو شعبان الناشط في لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين - ولقاء حار ذو شجون مع عائلة من أهالي مخيم تل الزعتر كانت بين الحضور، كان لقاءً مؤثرًا بابنة تل الزعتر "جمانة كيال "ووالدتها "ام رشيد" جمانة كانت طفلة ايام الحصار، عبّرت بكلماتٍ مؤثرة عن المجزرة والحصار وهي التي فقدت والدها شهيدا في المخيم، ابنة قرية شعب والتي عادت الى الوطن، تحدثت بحرقة ومرارة قائلةً: "ما تركناه هناك يبقى محفورا الى الأبد وحيث يكون ماضيك يكون قلبك" وتردد قائلة: "عيوننا شهدت وشاهدت من الأحداث اكثر بكثير مما سمعت آذان الآخرين. كان لقاء حرك المواجع فتل الزعتر جرحٌ نازف لم يندمل”. 
عريفة الأمسية الطالبة ربى رباح التي تميزت بحيويتها التي تعكس دور جيلها الناشط في كل المجالات، قدمت عرضا موجزًا لما حدث في المخيم وتوالت الكلمات من رئيس البلدية تبعها كلمة مؤثرة من الدكتور علي بدارنة حيث قام بمهنية عالية مستندًا الى أدوات اختصاصه في مجال علم النفس السريري بتقديم قراءة تحليلية معمقة ذات ابعاد تاريخية - لامست الجانب النفسي والوجداني - لتجربة الأطباء في المخيم اثناء الحصار مقارنتها بتجارب اخرى مؤكدا على أهمية التوثيق في تاريخ الشعوب.وبعدها قمت بإلقاء محاضرتي شاكرا كل القيمين على هذه الأمسية الرائعة.
بعد الأمسية، دعانا الدكتور علي بدارنة الى منزله لنستكمل الحديث هناك. دخلنا الى البيت وفضلت الجلوس في حديقة المنزل وذلك لشعوري بالحرمان من الجلوس قي حديقة منزلي في هذا الوقت من العام. كان الطقس جميلًا في تلك السهرة التي ضمت مجموعة ممن كانوا في الأمسية بينهم الدكتور سمير الخطيب وباسل طنوس. تأملت في الهندسة الجميلة لهذا المنزل والتي كانت مميزة بجدرانه الحجرية العتيقة والتي بنيت بطريقة غير تقليدية. سألت مضيفي عن ذلك، فأخبرني قصة هي مزيج من الغرابة وارادة الصمود قال: ان البيت بني من احجار بقايا عدة بيوت من مجموعة من القرى المدمرة من قبل الاحتلال، أدهشتني الفكرة والإجابة، وقفز الى مخيلتي ما شاهدته في قرية الدامون، حيث احجار البيوت المتناثرة التي حركت مواجعي آنذاك،وأردف قائلا: "نعم لقد قمت بالبحث عن هذه الحجارة، لإعادة احياء التاريخ والحفاظ على التاريخ التي كانت شاهدة عليه. نعم هذه حجارة بيوت مدمرة، بيوت حفظت في ذاكرتها كل الحكايا التي كانت تدور داخلها من جلسات واحاديث أهلها وأسرار ساكنيها، ولم تنس كل ما كان يحدث خارجها، من ملاعب ذكرى لطفولةٍ اقتلعت من ارضها قبل ان يقوى عودها كبرت وترعرت في الشتات، لسهرات جميلة في ساحة القرية تحفظ في ذاكرتها همسات صبايا القرية، وأهازيج الاعراس،وما زالت تحمل في ثناياها اوجاعها من فعل تلك اليد الشريرة التي قامت بهدمها وبعثرتها. هذه الحجارة هي الشهيد والشاهد على ما لحق بشعبنا من ظلم. ما قام به د. علي هو لم شمل الذاكرة الجماعية، لقد ابدع في جعل هذه الحجارة الصامتة - طوال كل هذه الفترة - تنطق من جديد،انها قوة الإرادة مقابل إرادة القوة، لقد احتوت هذه الهندسة الجمالية والإبداعية للمنزل على مخزون كبير من ذاكرتنا الجماعية و في كل مدماك قصص وحكايا. لعل الدكتور علي يسمع بعضها بين الفينة والفينة.
نعم... نحن كما طائر الفينيق الأسطوري الذي يموت و يُبعثُ حيًّا من رماده. نحن لا نحتاج الى حفريات في باطن الارض ولا الى علماء آثار لنثبِّت هويتنا. أحجار قرانا المتناثرة وأشجار الصبّار تعطي للأرض هويتها. حسنًا فعلت د. علي من خلال رمزية هذا المنزل شيدت صرحًا للذاكرة الجماعية.
من حيفا الواقفة على شاطئ بحرها تنظر الى الأفق البعيد تنتظر مراكب العودة، الى الكرمل الذي يحمل بين ثناياه وعلى قممه روحية الوطن، ومار الياس الذي يرمز الى انتصار الحق، الى عرابة التي احتضنت ظاهر العمر الذي ظُلِمَ من قبل المؤرخين خوفا من سطوة الولاة العثمانيين لانه حاول ان ينشئ في فلسطين حكمًا مستقلا عن الأتراك ودفاعًا عن فقراء الفلاحين،الى شهداء يوم الارض في عرابة وسخنين ودير حنا والطيبة الى هبة اوكتوبرعام 2000 واستشهاد الشباب، الى "جمانة كيال" الطفلة التي نجت من جحيم المجزرة في مخيم تل الزعتر وعادت الى ارض الوطن واخيرا الى الرمزية الساطعة في بيت الدكتور علي في عرابة و الذي حقق بعمله هذا بعض الأحلام. هناك شيء واحد مشترك و سر وحيد يكمن في "قوة الارادة" لشعبنا عبر التاريخ. اما نحن التائهين في المنافي البعيدة ومخيمات الشتات،فإننا نحمل الوطن في داخلنا،فإذا أنتم مازلتم ساكنين على ارض الوطن،فنحن الوطن يسكننا أينما كنا فهو الروح بالنسبة لنا فَانسلاخ الروح عن الجسد هو الموت بعينه.
ونحن شعبٌ يحب الحياة. "لان على هذه الارض ما يستحق الحياة".
والى اللقاء في الحلقة الاخيرة
لا اقول وداعًا... بل الى اللقاء...

TOP