"عودة على طريق العودة"، الحلقة 15، سجال الإرادة بين الفن والفكر والشباب

أحداث ومقالات    بقلم: الطبيب يوسف عراقي     Saturday, May 27, 2017 at 12:08:40 AM
"عودة على طريق العودة"، الحلقة 15، سجال الإرادة بين الفن والفكر والشباب د. يوسف عراقي


عن الفنان عبد عابدي ، مسرح الخشبة .جمعيةالدفاع عن حقوق المهجرين  و عائلة مخول

أفقت هذا الصباح باكراً على صياح ديك ٍفي الجوار، هذا الديك لم يلتزم يوماً -خلال فترة تواجدي هنا - بقوانين الطبيعة المألوفة، تارة اسمع صياحه في عتمة الليل وأحياناً في عز الظهيرة . هذا الصباح لم يخطأ التوقيت كثيراً ، دفعني فضولي لرؤيته ، خرجت الى الشرفة ، واذا به يمشي مختالاً و متبختراً بألوانه الزاهية بين بضع دجاجات ،شعر بوجودي فنظر الي باستعلاء كانما يقول لي انه وحده الذي يقرر انبلاج الصبح . حسناً ......كان لابد لي ان استيقظ باكراً هذا الصباح ، ألبرنامج مزدحم بمواعيدٍ كثيرة . عادل حضر باكراً هذا الصباح ودعانا الى فطورٍ استثنائي اليوم في مطعم " كناوي" يقدم وجبات " فول " شهية حسب قوله وذلك في ساحة الحناطير . من هذه الساحة كانت في الزمن الغابر تنطلق الحناطير الى عكا والناصرة وأحياناً الى بيروت . لم استطع مقاومة العرض . لقد كان عادل محقاً بتقدير عزيز وتقديري ، وكان فطورا شهياً.

مسرح الخشبة:

توجهنا بعدها صعوداً على ذلك السلم الحجري باتجاه مَسرح الخشبة، مسرح ٌ افتتح حديثاً بواسطة مجموعة من الشباب المسرحيين والذين يهدفون من خلاله الى تحويله الى بيت للفنانين الفلسطينيين ، وساحة للتجريب المسرحي ، يمزجون ما هو عالمي مع هو محلّي، كان ملفتاً اختيار المكان ورمزيته في وادي الصليب هذا الحي العربي الأصيل الذي يتعرض لعملية تهويد شرسة ، كانما ارادوا من ذلك الحفاظ على هويته العربية . كان حواراً دافئاً مع شابين - كانا هناك- حول أهمية دور المسرح في حياتنا ، ولفت نظري تلك الملصقات الكبيرة في داخله والتي تشير الى عالمية التوجه ...جاكسون ! والتمييز العنصري في أمريكا ، ولو ان الأقرب للمقارنة في حالتنا الفلسطينية - حسب ما قلت لهم - هو النموذج الجنوب أفريقي ،استوقفني شعار المسرح " شجرة داخل إطار" . لعلها شجرة زيتون ، الرمز الفلسطيني السرمدي ولكن فروع هذه الشجرة نمت وتجاوزت الإطار من حولها،أحسستها تمثل صرخة تمرد ومحاولة والخروج عن الإطار المحلي الى آفاق عالمية . زيارة قصيرة ولكنها غنيّة وستمكث في ذاكرتي طويلاً.

الفنان عبد عابدي:

تابعنا طريقنا حسب اتفاق مسبق الى طريق الجبل . وهناك خلف الكنيسة الأرثوذكسية يقع مرسم الفنان الحيفاوي "عبد عابدي" في بيت عربي قديم تزدان جدرانه بلوحات الفنان المبدع الذي هاجر مع والدته وإخوته لبنان وبعدها الى سوريا ولكنه وبعكس ما جرى مع الكثيرين ممن هاجروا الى لبنان ، عاد بعد ٣ سنوات الى الوطن بفضل والده الذي بقي صامداً في حيفا . عاد حاملاً عذابات الشتات و النكبة في ذاكرته التي ترجمها - بعد ان صقل موهبته الفنية في أكاديمية الفنون في مدينة دريزن الألمانية - وغمس ريشته بكل المعاناة لتخرج فيما بعد أعمالاً فنية رائعة : لوحات فنية ونصب تذكارية على مدى الوطن لعل أهمها النصب التذكاري في سخنين لشهداء" يوم الارض الخالد " بالاشتراك مع الفنان اليهودي "غرشون كنيسبل " لعله في ذلك أراد ان يعطي رمزية الى إمكانية التعايش بين الشعبين ، وهو الفنان الملتزم بإنسانيته . لقد اثار اعجابي تواضعه الكبير وقمنا بجولة على لوحاته المعبرة عن محطات كثيرة في تاريخ النكبة ، و لعل اكثر اللوحات التي اثارت انتباهي لوحة لوالده الذي بقي في حيفا على خلفية التهجير والتي تعكس تلك اللحظات الحزينة والمؤلمة على الصعيد الشخصي والعام . عند وداعي همس في أذني وصية لا زلت احفظها عن " اهداء اللوحات !"؛ و قام بأهدائي "كاتلوجاً" يحتوي بين دفتيه على سيرته الذاتية وعن خمسين عاما من الإبداع الفني وعن مسيرة فنية غنية بالعطاء.

شفاعمرو :جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين:

قبل ذلك بايام كانت قد اتصلت بي الناشطة "رنا عوايسة" من جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين - وهي طالبة ماجستير في جامعة تل أبيب ، وتقوم بعمل تطوعي في الجمعية وهي المهجرة من قريتها " صفورية " - وذلك للقاء بأعضاء الجمعية والحديث عن حقيقة ما حدث في "مخيم تل الزعتر" في مقر الجمعية في شفاعمرو. وتقوم هذه الجمعية بنشاطات عديدة لاحياء الذاكرة الجماعية ، ومن اهم نشاطاتها هي مسيرة العودة السنوية . واتفقنا على الموعد ، وهذا ما سأقوم به اليوم.

ولذلك توجهنا عادل وعزيز وانا الى هناك . كان لقاءاً مليئا ًبالمشاعر المشتركة ، شعرت نفسي كم أشبههم ويشبهوني وانا معهم و بينهم . انهم يقومون بعمل في قضية من أنبل القضايا وأكثرها ايلاماً . العمل من اجل أولئك الذين شُردوا من قراهم ومدنهم ولا يستطيعون العودة اليها ، يحملون ذكريات ويحلمون بالعودة . وما اصعب من ان يهّجر الانسان داخل وطنه ، بيته أمامه ولا يستطيع اليه سبيلا. كان بين الحاضرين طيف من ثلاثة اجيال واثنان من الأسرى المحررين : الأخ "محمد مطري " الذي شاهدته بالامس في " ترشيحا" وهو يحمل العلم الفلسطيني ويتقدم مسيرة المشاعل ، والحاضر في كل ساحات النضال يحمل لواء الحركة الأسيرة ، وكان الأسير المحرر "كمال قبطي " وزوجته سلوى ، ذلك المناضل الشجاع من بيت وطني كريم صاحب التاريخ الناصع ، بالاضافة الى جمع من الناشطين في هذه الجمعية .

تكلمت رنا عن المناسبة وقدمتني للحضور بمهنية العارف . وتحدث بعدها رئيس الجمعية " نايف حجو"- ابن قرية لولبية المهجرة- عن الجمعية وما تقوم به نشاطات . وجاء بعدها دوري للحديث عن ما جرى في مخيم " تل الزعتر ". افتقدت صورة المخيم بين صور العديد من المخيمات الفلسطينية في الشتات التي تزين قاعة الاجتماع وعدت " رنا " بانهم سيضيفون صورة للمخيم . نعم ...حتى عندما يتوفى الانسان يبقى صورة على جدار . وفي نهاية الاجتماع قدموا هدية رمزيه مع كلمات مؤثرة للشاعر محمود درويش كتبت على جذع شجرة زيتون :

ويداك تحيات الزهور

ليدين من حجرٍ وزعتر

ودعناهم واعتذرنا شاكرين عن قبول دعوة للغداء لضيق الوقت وما كان الا ان قدمت لنا "رنا" هدية جميلة برمزيتها وهي عبارة عن بعض أكواز من الرمان من نوع "المليسي" من صفورية حسب ما ذكرت . لقد كان مثيرا للإعجاب نشاط هؤلاء المتطوعين الشباب : رولا مزاوي ، اماني ابراهيم ، حنان حبيب الله وجمال ابوشعبان وغيرهم الكثيرين والذين يتمتعون بثقافة عالية وروح وطنية تدعو للفخر والاحترام.

قبل مغادرتنا و حسب راي عادل لا يمكن ان تزور شفاعمرو بدون ان نتذوق بوظتها المشهورة وهكذا ما كان . غادرنا شفاعمرو عائدين الى حيفا. كانت مناسبة غنية للتعرف على نشاط هذه الجمعية المميزة بنشاطاتها والتي تشكل ملتقى لمختلف الاطياف من شعبنا في الداخل والتي تحمل لواء العودة وتُبّقي جذوة الذاكرة الفلسطينية حيّة في جيل الشباب.

الكرمل - عائلة مخول :

عدنا الى حيفا وفي المساء كانت هناك دعوة من الاصدقاء سعاد وعصام مخول في بيتهم العامر في الكرمل . وقد ضمت الأمسية كل من المحامي رجا عزام وزوجته المهندسة والفنانة الصديقة تيريزا عزام والمربي الكبير الاستاذ جريس خوري والدكتور سمير الخطيب وزوجته الدكتورة نوخا بالاضافة للأخ عزيز .

شعرت وانا اعبر عتبة الدار بأنني ادخل في صرح ثقافي وفني مميز - حيث أضفت لوحات الصديقة سعاد وهي المتخصصة في هندسة و تخطيط المدن- جواً غنياً بألوان لوحاتها الفنية الدافئة حيث النصيب الاكبر بين أعمالها للمرأة هي الموضوع و الاساس في لوحاتها بما يحمل ذلك من ورمزية لدور المرأة في المجتمع ، اما الموضوع الاخر فهو توثيق فني انيق لمدينة حيفا وخاصة لوحاتها عن وادي الصليب ، كما استطاعت من خلال معرض المدن "حيفا من هنا انطلقت" وباسلوب فني راق ان توثق التطور التاريخي لمدينة حيفا عبر العصور وذلك بشعورها المميز وحبها لحيفا والذي اكتسبته من كونها ابنة حيفا حيث ولدت وعاشت طفولتها وما زالت .لقد اثار اعجابي تلك المقتنيات القديمة عن حيفا وتلك الخارطة القديمة لفلسطين التاريخية. سألتني ممازحةًٓ وهي تحمل احد المقتنيات ، هل تعرف ما هذا ؟ فأجبتها بعد تمعن وتفحص انه قنديل قطار و سبب معرفتي بذلك انني كنت قد انجزت اخر لوحة وهي عبارة عن قطار وناظر المحطة حاملاً القنديل . اما الصديق عصام فهو قامة فكرية ونضالية كبيرة ومنذ سنوات يدير معهد أميل توما للدراسات الفلسطينية و الإسرائيلية والذي يشكل عمله الرواية البديلة للرواية الصهيونية عن القضية الفلسطينية. وهذه ما وجدته في مقدمته التي كتبها الصديق عصام لكتاب المؤرخ الدكتور أميل توما " جذور القضية الفلسطينية معتبرا الكتاب بانه التاريخ الحقيقي ومفندنا رواية " بن غوريون ". عن ثورة ١٩٣٦ والتي امتدت لثلاث سنوات حيث يقول بن غوريون :" انه لم تكن هناك انتفاضة قومية،ولم يشارك الشعب العربي او جُلّه في الحوادث،فهو يفتقد الى الارادة والطاقة والقوة لان يثور،أقلية ضئيلة تحاربتا الموتوتستخدم في قتالها اي وكل وسيلة وترتكب ابشع الجرائم ". نقلا عن كتاب سنت جورج "بن غوريون".مجسدا بذلك موقف الحركة الصهيونية من حركة التحرر القومي العربية ونضالها من اجل الاستقلال.

كانت اُمسية غنية وثمينة واحاديث فكرية وسياسية اتسمت بحرارة اللقاء ، كانت فيها أذناي متعطشة ً الى سماع كل ما يدور من حوار ، كان كلامهم يلامس المواجع ، عن معاناتهم التي تذكّرني بمعاناتنا في الشتات ، فقد ساقني حظي للقاء بهم لإشاركهم ويشاركوني معاناتهم وأحلامهم . وتأكد لي ان ما قاله بن غوريون عن الإرادة والطاقة لا يستقيم مع ما شاهدته حيثما حللت . وشعرت هنا ان الإرادة القوية وحدها تحرر الانسان ؛ واذا اقترنت بالعلم والابداع والثقافة فإنها تختصر الطريق الى تحقيق الأماني و باقل الخسائر . وايقنت ان الأفكار لها اجنحة ولا يمكن سجنها في قفص وخاصة عند أولائك الذين يملكون المعرفة وحقيقة الأشياء ولا يبقونها في داخلهم ولا يتكلمون بها وعنها ، بل بالعكس من ذلك ينشرونها بكل قيمها الاخلاقية والاجتماعية ليضيئوا بها كهوف الجهل المظلمة . كانت اُمسية تميزت بعبق التاريخ والفن تحدثنا عن كل ما هو جميل في حيفا وما تبقى من عروبتها. ومن يحافظ على ما تبقى من عروبة المدينة . لقد أعطتني هذه اللقاءات في هذا اليوم زوادة حقيقية من الامل أضيفها عاى ما تزودت به سابقاً في أماكن اخرى أحملها معي الى المنفى وربما تكون سبباً في العودة الكبرى . لفتةٌ كلها إنسانية جادت بها العزيزة سعاد في نهاية هذه الأمسية الرائعة وقدمت لي لوحة من أعمالها الفنية عن حي وادي الصليب فيها الكثير من رمزية حيفا العربية.

عدت ليلاً بعد يوم طويل ، شعرت وكأنني قد قمت بجولة في حديقة مليئة بالاشجار ، اقطف الثمار من دوحاتها المختلفة .

لم اشعر بعظمة الغابة بقدر ما شعرت بقوة الأشجار وتنوعها فيها .

من مطعم كفركنا وشبابه الذين أتقنوا "صحن الفول" مروراً بمسرح الخشبة والمسرحيين الشباب الذين يتمردون على واقع يريد ان يفرض نفسه عليهم ، الى مرسم الفنان عبد عابدي الذي تمرد على النكبة وعاد الى حيفا مبكراً ليصقل من عذاباته وعذابات شعبه فنانا كبيراً بكل ابعاده الانسانية ، الى الناشطات والناشطين الرائعين الذين يمدووننا بالامل من الشباب والاسرى والمسنين في جمعية الدفاع عن حقوق المهجريين وهم يحرسون ذاكرتناالجماعية ويمسحون عن قرانا المدمرة غبار النسيان .

وختاماً " بدار" عائلة مخول الذين أيقنوا ان أدوات الصراع تتطلب فهم اسبابه وان الفن والثقافة من اهم أدوات الصراع .كان هناك شيئ ٌ واحد مشترك عند كل من قابلتهم ، انه قوة الإرادة على الاستمرار لنيل الحقوق كاملة وهذا ما يضحض مقولة الصهيوني " بن غوريون" ، وان الخطر الحقيقي الذي يتهدد هويتنا كشعب يكمن بما هو من حولنا والذي يتمثل بارادة القوة التي تطغى على قوة الإرادة . وفاقد الإرادة هو أشقى البشر كما قال أرسطو.

رحم الله الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي وابياته الشعرية:

اذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد ان يستجيب القدر

والى اللقاء في الحلقة السادسة عشرة

بين وادي الملح وعرابة البطوف

TOP