من حيفا إلى جعيتا ... وداعًا سامي كركبي

أحداث ومقالات /أرشيف د. جوني منصور    بقلم: جوني منصور     Wednesday, May 17, 2017 at 3:50:06 PM
من حيفا إلى جعيتا ... وداعًا سامي كركبي سامي كركبي

كنتُ ولا ازال، متتبعًا لأخبار اهالي وطني المهجرين واللاجئين قسرًيا عن وطنهم ومنازلهم. كما أنني دائم الشوق لمعرفة احوالهم ومجرى أمورهم وسير حياتهم. وأنا متأكد أنهم بغالبيتهم العظمى يذكرون اسم حيفا ولو مرة واحدة في اليوم في الحد الأدنى. هذه المدينة التي عرفت خلال فترة زمنية قصيرة جدًّا مشهدًا حضاريًا متألقًا رفعها إلى اعلى الدرجات لتصبح في مصف اهم المدن في منطقة الشرق الأوسط، بل حوض البحر المتوسط في الفترة الواقعة بين 1918 و 1948. وبالرغم من مأساة النكبة الفلسطينية والتي لا توازيها أي نكبة حلّت على شعب مسالم في دياره ووطنه، إلا أن الفلسطينيين مستمرون في الحياة والعيش لأنهم أبناء الحياة وليسوا ابناء الموت والخنوع والخضوع والانكسار، فلا بد من تحقيق العودة التي لا عودة عنها بالمرة مهما طال الزمن.

وحكايتنا هذه المرة في هذا المقال ترتبط بشخص لطالما تابعتُ اخباره من خلال بعض الصحف اللبنانية، ومن خلال مواقع الانترنت يوم أطلت علينا التكنولوجيا قبل حوالي عقدين من الزمن، وامطرتنا بنعمها وبركاتها. وحديثنا عن مكتشف خبايا وأسرار وعجائب مغارة جعيتا. وحديثنا عن شخص ساهم مساهمة جليلة في رفع مكانة سياحة الاستكشاف في لبنان ومواقع اخرى في المشرق... إنه ابن حيفا الراحل سامي فريد كركبي.

رحل سامي كركبي في 24 آذار 2017 في بيروت وله من العمر 86 عامًا. رحل صامتا، وبدون ضجة، لأنه هكذا أحب الحياة بالرغم مما اكتشفه واثار ضجة إعلامية كبيرة في اوساط سياسية وسياحية وعلمية.

وما أن وردني خبر رحيله، حتى باشرت بتجميع ما لدي من مواد عن سيرة حياته، واستفدت من تكنولوجيا المعلومات وسهولة الوصول إلى معلومات غابت عني. وأيضا لجأت إلى عدد من الأصدقاء والمعارف في الوطن وخارجه، وفي مقدمتهم الصديق جميل أبيض ابن حيفا وقريب الراحل بل صديقه.

ولأبدأ بعرض سيرة حياته، كان لا بد لي من العودة إلى سجل العماد في كنيسة الروم الكاثوليك بحيفا، واستقيت منها ما يلي:

ولد سامي كركبي في 19 أيار 1931 في حيفا. ونال العماد في 1 تموز 1931 متخذًا اسم النبي الياس. والده هو فريد جرجس كركبي. والدته روز الياس أبيض. أشابينه: شكري جرجس أبيض ولبيبة مدام جرجس كركبي. وجرى عماد سامي وشقيقته التوأم سعاد في اليوم نفسه في كنيسة مار الياس بحيفا على يد الكاهنين: باسيليوس قسيس واستفانوس الياس.(يراجع سجل العماد في مكاتب كنيسة مار الياس للروم الكاثوليك بحيفا لسنة 1931 رقم 1703).

ولسامي أخ واحد هو جورج على اسم جده، عاش فترة في بيروت ثم في باريس إلى وفاته. وشقيقاته: سُمية متزوجة لرجا ابراهيم صهيون من حيفا، وعبلة متزوجة من عائلة شيخاني، وعايدة متزوجة من عائلة داغر. هؤلاء رحلوا عن هذه الدنيا. أما شقيقته توأمه سعاد فمتزوجة من عائلة جاهل، ولا تزال حيّة ترزق في بيروت.

عاشت العائلة بحيفا حتى عام 1936، أي مع انطلاق الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الانجليز والمنظمة الصهيونية. ولم تتمكن من أن تمارس مجرى حياتها كالمعتاد، فاختار والده الانتقال إلى بيروت لفترة زمنية قصيرة ريثما تهدأ الحالة. وكانت العائلة تصل إلى حيفا بين الفينة والأخرى لمتابعة أمور أملاكها ومشاغلها، ولتكون قريبة من الأقارب والعائلة الموسعة.

درس سامي كركبي موضوع الرياضيات في بيروت، ثم درس محاسبة فنادق، قبل ان يبدأ بممارسة عمله في شركة البترول اللبنانية لفترة سنتين أو اقل بين 1952 و 1953.

لكن موضوع عمله ليس في باب اهتماماتنا في مقالتنا هذه، إذ أننا سنولي اهتمامًا واسعًا لموضوع اكتشافاته. فسامي كان محبا بل مغرما بالمغاور. وأنا أخمن، فقط من باب التخمين، أنّه عرف المغاور في سفوح جبل الكرمل قبل وصوله إلى بيروت، إذ تكثر المغاور في منطقة الكرمل، ويعود تاريخ بعضها إلى الفترة الكنعانية، أي إلى آلاف السنين. واشهر المغاور تلك التي كانت تُعرف بـ "مغارة الوطاوط" حيث مباني الأبراج في شارع المطران حجار بالقرب من مدرسة المتنبي، وقد أعملت يد الهدم فيها بحيث اختفت تمامًا، ,انا أخمن أن طولها عدة مئات من الامتار، كنا نخاف ونحن صغار من متابعة السير فيها، لمّا كانت قائمة، إذ أنها كانت ملاذًا لعدد كبير من طلاب المدارس من مُحبي المغامرات وغيرها.

سافر سامي في 1954 إلى فرنسا حيث التقى روبرت دي جولي وهو رئيس نادي مكتشفي المغاور في باريس وتتلمذ على يده في موضوع تطوير سياحة المغاور. وفي السنة التي اعقبتها تبوأ منصب رئيس طاقم تخطيط مسار سياحي في مغارة جعيتا في جزئها السفلي. وتولى منصبه هذا من قبل وزارة السياحة اللبنانية.

وبكونه احد المتحمسين الكبار لاكتشاف عدد من المغاور في لبنان وخارجه فإن اسمه ارتبط بمغارة جعيتا الشهيرة والتي تحظى باهتمام بالغ من قبل السياح والمغاوير ومحبي الاكشتافات في مجال المغاور.

ليونيل غرة وريمون خوام وسامي كركبي مكتشفو جعيتا

كان سامي كركبي قد ترأس فريقًا من المكتشفين الشجعان في 1952 قد بلغ في سيره وابحاره في مغارة جعيتا إلى أكثر من 2300 مترًا في قلب المغارة. ومما اوردته جريدة النهار البيروتية في حينه نقتبس ما يلي:"وصل الفريق إلى نقطة تطل على واد جوفي عميق، فعاد أدراجه. وفي السنة التالية أي في 1953 عمل المغامر سامي كركبي مع فريقه على تخطي هذه المسافة، والمضي قدمًا في ولوج المغارة، فجمع أكبر كم من المعلومات والخرائط. وخلال التحضير للرحلة وبعد دخول البعثة التي تألفت من اللبنانيين سامي كركبي من أصل فلسطيني وفريد زغبي وسابا مخباط والفرنسي إيف فرتبورغ المغارة، نشر سامي كركبي سلسلة من المقالات منوها إلى محاولة التوغل الاولى في العام  1836. ونجح سامي في زيادة التوغل بحوالي 300 مترًا. وتوقف التوغل بسبب التيار الجارف وصقوعة المياه عند منحدر عميق". ويضيف سامي قائلا:"كنت الوحيد بين رفاقي الذي يعرف طبيعة المغارة، فقرّرت المضي بقارب على أن أقذف بنفسي إلى المياه عند الضرورة القصوى. أحكمت مد الحبال ونصبت السلالم واجتزنا المنحدر لنستأنف السير، تارة عائمين على القوارب، وطورًا متسلقين الصخور حتى بلغنا ممر كراوفورد الذي فتح امامنا طريق ضفة طومسون ذات الرمال الناعمة، فأخذنا عليها قسطًا من الراحة".

وتوقفت البعثة أمام القنينة التي كان قد وضعها سابقا طومسون وتضم ورقة فيها قائمة بأسماء أعضاء البعثة من سنة 1927.

وصل سامي إلى عمق 3100 متر في ايلول 1954 حيث اخذ معه معدات جديدة لمتابعة اكتشاف مغارة جعيتا.

واكتشفت البعثة قاعات كثيرة اطلقت عليها اسماء مختلفة تيمنًا بمن اكتشفها ونشر صيتها. واشار سامي في وصفه لتوغله عميقًا في المغارة، إلى شواطئ رحبة من الرمل الناعم الجاف داخل المغارة بطول عشرة امتار وعرض 50 مترًا.  فأطلقوا عليها اسم "شواطئ النادي اللبناني للتنقيب عن المغاور".

ويكتب سامي عن اكتشاف قاعة اسموها "الحياة" نسبة للجريدة اللبنانية التي رافقت البعثة ونقلت تفاصيل اكتشافاتها:"فجأة اتسعت الجدران ونفذنا إلى قاعة فسيحة يراوح عرضها بين 40 و 50 مترًا، ويبلغ ارتفاعها حدًّا لم تعد معه أنوار مصابيحنا تقوى على إضاءة السقف... وتتوسط القاعة ركام ضخمة من الصخور، ويبلغ إليها هدير المياه الجارية، بعيدا في أسفل القاعة". وفي متابعته للوصف يشير سامي إلى موقع جدران تضيق لتنتهي بمجموعة من الشلالات المتحجرة الحمراء ولا سبيل لتسلق هذه الصخور لأنها خطرة جدا.

وفي حدث ملفت اكتشف سامي كركبي في 1958 وفريق من المستغورين منفذا الى المغارة العليا، ولفتح هذه المغارة أمام الزوار حفر نفق بطول مائة وسيعة عشر مترًا. وفي العام 1998 اكتشف مستغور آخر ممرّات جديدة طولها نحو عشرة آلاف مترًا. وفي 2004 اكتشفت غرفة هوائية ومجرى مائي جديد في مياه النهر الجوفي للمغارة السفلى.

سامي كركبي والرئيس كميل شمعون

وحظي سامي وفريقه على دعم من الرئيسين اللبنانيين كميل شمعون وفؤاد شهاب لمتابعة الاكتشافات من خلال عملية مسح لتحديد مدخل النفق المؤدي إلى الصالات العليا. وصممت الطريق داخل المغارة ونفذت التمديدات الكهربائية الداخلية والإضاءة، وأصبحت أكثر جهوزية لاستقبال المزيد من السياح والمهتمين والمغامرين.

ونجح سامي كركبي وليونيل غرّة والبير عنافي وريمون خوام في 1951 بتأسيس نادي التنقيب عن المغاور في لبنان، وأصبح هذا الفرع الرياضي والسياحي مُمأسسًا في لبنان.

ويُسجل لسامي انجاز كبير ليس على مستوى لبنان فقط، بل العالم اجمع، أنّه جعل مغارة جعيتا في مصاف المعالم التراثية العالمية، وإن كان ذلك غير رسمي من قبل اليونسكو، إلا أن مئات آلاف الزوار والسياح يشهدون على ابداع الطبيعة في هذه المغارة.

واهتم سامي بإجراء دراسات واسعة جدًّا على عدد من المواقع التي تجري في انهار بالقرب من جعيتا أو حواليها، لتحديد الطبيعة الجغرافية للمكان وتحددي اي انهار تجري فوق المغارة وتتغلغل داخلها.

إنّه عالم متكامل من الظواهر الطبيعية، ليس فقط الطوالع والنوازل أو ظاهرة الاستحلاب، إنّما مياه متدفقة وقاعات وأعمدة وشلالات... عالم كامل تحت الأرض اكتشفه سامي كركبي وفريقه.

لم ينصّبْ اهتمام سامي فقط على المغاور بل اهتم بدراسة تاريخ وجغرافية وآثار عدد من المدن القديمة في لبنان وفي اليمن، فوضع مجموعة من المؤلفات المفيدة حولها. كذلك اهتم سامي بالفنون الجميلة، وخصوصًا الرسم واشغال السيراميك الفني. وكان مهتمًا بدراسة انثروبولوجية من خلالها لشرائح متنوعة من الفنانين والمحترفين.

ومن مؤلفاته التي نشرت بالفرنسية والانجليزية وقلّة بالعربية:

"مغارة جعيتا"، "صيدا المدينة القديمة"(بالعربية)، "صور الماضي والحاضر"(بالعربية)، "حِرَفيو حضرموت" ومقالات وبحوث كثيرة نشرها في مجلات علمية وأخرى سياحية ومتخصصة بمكتشفي المغاور بلغات ثلاث: العربية والفرنسية والانجليزية.

لم يتزوج سامي، لأن حياته كما أرادها وخطط لها كانت خارج أطر البيت والعائلة، فالطبيعة بيته وعائلته.

توفي سامي كركبي وحيدًا ومنعزلاً عن العالم، إلا من عدد قليل من الأصدقاء الملتزمين الذين كانوا يزورونه في اوقات متقاربة. وأوصى بأن يُحرق جسده، وأن يُذر رماده في أحد الفصح 16 نيسان الماضي من على جبل المزار ليتطاير على لبنان ويصل بعضه إلى جبل الكرمل حيث نشأ وأحب هواية الاستغوار. فوداعًا يا سامي، يا من أحببت الطبيعة، وصممت على اكتشاف خفاياها وأسرارها بكل جرأة وشجاعة. وداعا، وإن كان على بعد جغرافي قصير، إلا انّ قلبك الدافئ المِقدام ينبض هنا في الكرمل وحيفا موطنك.  

 

 

سامي كركبي يستقبل جواهر لال نهرو عند مدخل مغارة جعيتا

سامي كركبي مع توأمه سعاد في حيفا

TOP